ومن جهة جواز ذلك في ذات القديم الواجب الوجود بنفسه.
فإن قال: قيام الحوادث به محال.
قيل له: على أصلك لا يستحيل قيام الحوادث بالقديم، وأما إحالة ذلك في الرب فهو بناءً منك على أنه لا تقوم به الصفات.
وهذا من أفسد الكلام. كما قد بيّن في غير هذا الموضع.
أما على أصل من يمنع قيام الحوادث بالقديم من المتكلمين: فإنما ذاك عندهم لأن قيام الحوادث به يستلزم تسلسلها، وهو محال.
ونحن نتكلم على تقدير إمكان تسلسل الحوادث.
فإذا قدّرنا إمكان تسلسلها: لم نقل قولًا مبنيًا على امتناع تسلسلها؛ لأن ذلك يستلزم القول بالجمع بين جواز التسلسل وامتناعه، وذلك جمع بين النقيضين.
فإن المانع من كونه محلًا للحوادث يقول: لو كان محلًا لها لتسلسلت، ثم يقول: وتسلسلها محال؛ فلا يكون محلًا لها.
فإذا قدّر مع ذلك: أن تسلسلها جائز؛ لم يمكنه مع ذلك أن يقول: تسلسلها محال، فيجمع بين النقيضين.
وإذا لم يقل بامتناع تسلسلها لم يستدل به على امتناع حلول الحوادث به.
وإذا لم يكن له دليل على ذلك: لم يجز القول به.
فكان القول بجواز تسلسل الحوادث ينافي القول بامتناع حلول الحوادث.
فلا يقال مع جواز التسلسل: لا يقوم به حادث.
وإذا لم يجز أن يقال ذلك: كان ممكنًا. فيكون مع جواز تسلسل الحوادث يجوز أن تقوم به الحوادث، وهو المطلوب.