أما الأول: فبتقدير أن يكون الحادث عنها أمرًا ما غير هذا العالم، ثم لسبب أمر آخر، وهلم جرّا.
وأما الثاني: فبتقدير أن يكون الحادث عنها قائمًا بها حادثًا بعد حادث، كما يحدث في الفلك عندك حادث بعد حادث، ويكون ذلك سببًا للحوادث.
فحجتك ليس فيها إلا إبطال قول من يقول: بحدوث العالم من غير حادث يحدث في ذاته، وهذا قول طائفة من أهل الملل.
وإذا ثبت خطأ هؤلاء: لم يلزم صحة قولك؛ إذا أمكن أن يكون الصواب / [1] قول من يقول منهم: إنما يحدث العالم بحوادث تحدث في ذاته، وأنت لم تذكر دليلًا على فساده، ولا يمكنك ذلك، فإن ذلك عندك لا ينافي القدم، وإنما يثبته على نفي الصفات.
فإن قال: قد ثبت ذلك بقولي: العقل الصريح يشهد أن الذات الواحدة إذا كانت من جميع جهاتها واحدة، وكانت لا يوجد عنها شيء فيها قبل، مع جواز أن يوجد، وهي الآن كذلك. والآن لا يوجد عنها أيضًا شيء.
قيل له: هذا الذي ذكرته لا يفيدك، من وجوه:
أحدها: أنك قلت: إذا كانت لا يوجد عنها شيء مع جواز أن يوجد.
وعلى من يقول بامتناع (حوادث لا أول لها) من متكلمي أهل الملل يقول لك: لا يسلم أنه يجوز أن يوجد عنها في الأزل شيء.
فتحتاج أن تبيّن جواز ذلك ليتم دليلك.
(1) نهاية 31/ أ.