فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 141

ثم الثاني إن كان ممكنًا كان القول به كالقول في الممكن الأول.

فلا بد أن ينتهي الأمر إلى موجب لا يتوقف فعله على غيره، بل يستلزم وجوده وجوده إذا كان العالم قديمًا، وحينئذٍ فتلك العلة التامة الموجبة لقدم العالم إن لم يتوقف شيء من أفعالها على غير ذاتها المجردة لزم قدم كل موجود، وهذا خلاف الحس، وإن توقف شيء من أفعالها على غير ذاتها المجردة لزم أن لا تكون علة تامة لذلك المتوقف على غير ذاتها المجردة، فلا بد لتمام علته من سبب / [1] ، فإن كانت هي السبب لزم تمامها في القدم؛ فيلزم قدم المعلولات جميعها، وهو خلاف الحس كما تقدم، وإن كان غيرها هو السبب؛ فالقول في حدوث ذلك الغير كالقول في حدوث المسبب؛ فيلزم أن لا يحدث شيء، وقد حدث. هذا خَلْف.

إن قيل بامتناع (حوادث لا أول لها) ، أو يلزم قيام الحوادث التي لا تتناهى به، وإنما لزم هذا لأننا جعلنا علة تامة موجبة لقدم العلل بمجرد ذاتها فامتنع أن يحدث عنها شيء بوسط أو بغير وسط، وإذ قد حدث عنها شيء ولو بوسط امتنع أن يكون علة تامة قديمة، وإذا امتنع ذلك امتنع قدم العالم.

فقدمه مستلزم لقدم علة تامة، وقدمها مستلزم لقدم معلولاتها، ومن معلولاتها ما هو محدث، فلا يكون علة قديمة؛ فصار قدم العالم مستلزمًا لعدم قدمه، وذلك جمع بين النقيضين وهو محال.

وهذا بيّن لمن تدبره، وهذا من أحسن ما ينصر الله به الذين آمنوا، ويُظهر به دينه بالحجَّة كما يُظهره بالسيف [2] ؛ تحقيقًا لقوله: هُوَ الَّذِي

(1) نهاية 37/ أ.

(2) انظر كلامًا لشيخ الإسلام في آخر درء التعارض يشبه هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت