أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [1] .
وهذا مطّرد في جميع أقوال أهل الباطل المخالفة للرسل فإنهم في {قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ • يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [2] ، وقولهم من عند غير الله؛ ففيه اختلاف كثير؛ فنفس قولهم يستلزم عدم قولهم.
وقد تأملت هذا في كلام عامة المبطلين؛ فوجدت قولهم ينقض قولهم، حتى يصير قولهم جامعًا بين النقيضين.
وهذه الحجة يمكن تصويرها بأنواع من الصور القياسية البرهانية؛ مثل أن يقال: لو كان العالم قديمًا للزم أن يكون واجبًا، أو صادرًا عن موجب واجب بنفسه، وعلى التقديرين / [3] : يلزم أن لا يحدث فيه شيء وقد حدث؛ فيلزم أن لا يكون قديمًا، فلو كان قديمًا للزم أن لا يكون قديمًا.
وما استلزم ثبوته نفيه كان باطلًا في نفسه؛ فقدمه باطل، وهذا نوع من الدور الباطل.
ولهذا يصير هؤلاء في آخر أمرهم إلى الدور والحيرة، كما يصرحون بذلك في كتبهم، ويجمعون أيضًا بين النقيضين تارة مع علمهم بذلك، ويجعلون هذا هو التحقيق والعرفان وعلم أهل الله، وتارة مع عدم العلم بذلك، ومن أتم النظر منهم ولم ير لنفسه أن يجمع بين النقيضين: بقي في الريب والشك والحيرة وتكافئ الأدلة.
فهم لا يخرجون عن هذه الأنواع: إما الجمع بين النقيضين مع عدم العلم بذلك، أو مع العلم بذلك، وإما التوقف عن إثبات أحد النقيضين؛ فهم في جهل مركب أو بسيط.
(1) سورة الفتح: 28.
(2) سورة الذاريات: 8 - 9.
(3) نهاية 37/ ب.