رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: 112] .
وهذه القرية هي مكة، من دخلها كان آمنا، وكان من تمام النعمة عليهم إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - إليهم، فكفروا به، ولهذا أذاقها الله الجوع، فدعا عليهم - صلى الله عليه وسلم - بالقحط، فعن عبد الله بن مسعود قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى من الناس إدبارا، قال: «اللهم سبع كسبع يوسف» [1] ، فأخذتهم سنة حصدت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع، فأتاه أبو سفيان، فقال: يا محمد، إنك تأمر بطاعة الله وصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال الله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان: 10] .
وأما الخوف في الآية فهو من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حين هاجروا إلى المدينة، فكانوا يخافون من سطوته، وبقوا كذلك إلى أن فتح الله تعالى على نبيه - صلى الله عليه وسلم - مكة، وللكافرين أمثالها، وقد قص الله سبحانه علينا قصة"سبأ"وأنهم كانوا في نعم كثيرة، وأموال ممدودة، وفواكه منتشرة، وأسفار بلا أخطار، ثم إنهم غيروا بأنفسهم فغير الله سبحانه أحوالهم، فأرسل الله عليهم سيلا عارما، جرف أشجارهم وحدائقهم وأموالهم، وبدلوا بعد ذلك بأشجار مرة أو ذات شوك،
(1) أخرجه البخاري (1007) ، ومسلم (2798) (39) ، وأبو يعلى (5145) ، والطبري في تفسيره 21/ 15، وأحمد (4206) ، والترمذي (3254) ، وابن حبان (6585) ، والطبراني في الكبير (9048) ، وأبو نعيم في الدلائل (369) ، والبغوي في التفسير 7/ 229، من حديث ابن مسعود.