الصفحة 47 من 50

نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود: 9 - 10] ، فذمه باليأس والكفر عند الامتحان بالبلاء، وبالفرح والفخر عند الابتلاء بالنعماء، واستبدل بحمد الله وشكره والثناء عليه إذا كشف عنه البلاء قوله: {ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} ، ولو أنه قال: (أذهب الله السيئات عني برحمته ومنه) لما ذم على ذلك، بل كان محمودا عليه ولكنه غفل عن المنعم بكشفها، ونسب الذهاب إليها وفرح وافتخر، فإذا علم الله سبحانه هذا من قلب عبد فذلك من أعظم أسباب خذلانه وتخليه عنه، فإن محله لا تناسبه النعمة المطلقة التامة، كما قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 22 - 23] ، فأخبر سبحانه أن محلهم غير قابل لنعمه ومع عدم القبول ففيهم مانع آخر يمنع وصولها إليهم وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها. ومما ينبغي أن يعلم أن أسباب الخذلان من بقاء النفس على ما خلقت عليه في الأصل وإهمالها وتخليتها، فأسباب الخذلان منها وفيها، وأسباب التوفيق من جعل الله سبحانه لها قابلية للنعمة، فأسباب التوفيق منه ومن فضله وهو الخالق لهذه وهذه، كما خلق أجزاء الأرض هذه قابلة للنبات وهذه غير قابلة له، وخلق الأرواح الطيبة قابلة لذكره وشكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده، وخلق الأرواح الخبيثة غير قابلة لذلك بل لضده، وهو الحكيم العليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت