الآخرة.فما يستيقن أحد من لقاء اللّه في الآخرة،وهو يعي حقيقة هذا الدين،ثم يعيش في هذه الحياة سلبيا،أو متخلفا،أو راضيا بالشر والفساد والطغيان.
إنما يزاول المسلم هذه الحياة الدنيا،وهو يشعر أنه أكبر منها وأعلى.ويستمتع بطيباتها أو يزهد فيها وهو يعلم أنها حلال في الدنيا خالصة له يوم القيامة.ويجاهد لترقية هذه الحياة وتسخير طاقاتها وقواها وهو يعرف أن هذا واجب الخلافة عن اللّه فيها.ويكافح الشر والفساد والظلم محتملا الأذى والتضحية حتى الشهادة وهو إنما يقدم لنفسه في الآخرة ..إنه يعلم من دينه أن الدنيا مزرعة الآخرة وأن ليس هنالك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا وأن الدنيا صغيرة زهيدة ولكنها من نعمة اللّه التي يجتاز منها إلى نعمة اللّه الكبرى ..
وكل جزئية في النظام الإسلامي منظور فيها إلى حقيقة الحياة الآخرة وما تنشئه في التصور من سعة وجمال وارتفاع وما تنشئه في الخلق من رفعة وتطهر وسماحة ومن تشدد في الحق وتحرج وتقوى وما تنشئه في النشاط الإنساني من تسديد وثقة وتصميم.
من أجل ذلك كله لا تستقيم الحياة الإسلامية بدون يقين في الآخرة.ومن أجل ذلك كله كان هذا التوكيد في القرآن الكريم على حقيقة الآخرة ..
وكان العرب في جاهليتهم - وبسبب من هذه الجاهلية - لا تتسع آفاقهم التصورية والشعورية والفكرية للاعتقاد في حياة أخرى غير هذه الحياة الدنيا ولا في عالم آخر غير هذا العالم الحاضر:ولا في امتداد الذات الإنسانية إلى آماد وآفاق وأعماق غير هذه الآماد المحسوسة ..مشاعر وتصورات أشبه شيء بمشاعر الحيوان وتصوراته ..شأنهم في هذا شأن الجاهلية الحاضرة .. «العلمية» كما يصر أهلها على تسميتها! «وَقالُوا:إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ» ..وكان اللّه - سبحانه - يعلم أن الاعتقاد على هذا النحو يستحيل أن تنشأ في ظله حياة إنسانية رفيعة كريمة ..
هذه الآفاق الضيقة في الشعور والتصور،التي تلصق الإنسان بالأرض،وتلصق تصوره بالمحسوس منها كالبهيمة ..وهذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان،التي تطلق السعار في النفس،والتكالب على المتاع المحدود،والعبودية لهذا المتاع الصغير،كما تطلق الشهوات من عقالها تعربد وحدها بلا كابح،ولا هدنة،ولا أمل في عوض،إن لم تقض هذه الشهوات