الهابطة الصغيرة،التي لا تكاد تبلغ نزوات البهيمة! ..وهذه الأنظمة والأوضاع،التي تنشأ في الأرض منظورا فيها إلى هذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان بلا عدل ولا رحمة،ولا قسط ولا ميزان ..إلا أن يصارع الأفراد بعضهم بعضا،وتصارع الطبقات بعضها بعضا،وتصارع الأجناس بعضها بعضا ..وينطلق الكل في الغابة انطلاقا لا يرتفع كثيرا على انطلاق الوحوش والغيلان! كما نشهد اليوم في عالم «الحضارة» ..في كل مكان ..كان اللّه - سبحانه - يعلم هذا كله ويعلم أن الأمة التي قدر أن يعطيها مهمة الإشراف على الحياة البشرية،وقيادتها إلى القمة السامقة التي يريد أن تتجلى فيها كرامة الإنسانية في صورة واقعية ..أن هذه الأمة لا يمكن أن تؤدي واجبها هذا إلا بأن تخرج بتصوراتها وقيمها من ذلك الجحر الضيق إلى تلك الآفاق والآماد الواسعة ..من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ..ولهذا كان ذلك التوكيد على حقيقة الآخرة ..أولا لأنها حقيقة.واللّه يقص الحق.وثانيا لأن اليقين بها ضرورة لاستكمال إنسانية الإنسان:تصورا واعتقادا،وخلقا وسلوكا،وشريعة ونظاما. [1]
وقال تعالى: {وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (57) سورة القصص
إنها النظرة السطحية القريبة،والتصور الأرضي المحدود،هو الذي أوحى لقريش وهو الذي يوحي للناس أن اتباع هدى اللّه يعرضهم للمخافة،ويغري بهم الأعداء،ويفقدهم العون والنصير،ويعود عليهم بالفقر والبوار: «وَقالُوا:إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا» ..
فهم لا ينكرون أنه الهدى،ولكنهم يخافون أن يتخطفهم الناس.وهم ينسون اللّه،وينسون أنه وحده الحافظ،وأنه وحده الحامي وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تتخطفهم وهم في حمى اللّه وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تنصرهم إذا خذلهم اللّه.ذلك أن الإيمان لم
(1) -فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 1070)