فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 188

واذكر قصة صاحب الحوت،وهو يونس بن مَتَّى عليه السلام،أرسله الله إلى قومه فدعاهم فلم يؤمنوا،فتوعَّدهم بالعذاب فلم ينيبوا،ولم يصبر عليهم كما أمره الله،وخرج مِن بينهم غاضبًا عليهم،ضائقًا صدره بعصيانهم،وظن أن الله لن يضيِّق عليه ويؤاخذه بهذه المخالفة،فابتلاه الله بشدة الضيق والحبس،والتقمه الحوت في البحر،فنادى ربه في ظلمات الليل والبحر وبطن الحوت تائبًا معترفًا بظلمه; لتركه الصبر على قومه،قائلا:لا إله إلا أنت سبحانك،إني كنت من الظالمين.فاستجبنا له دعاءه،وخلَّصناه مِن غَم هذه الشدة،وكذلك ننجي المصدِّقين العاملين بشرعنا. [1]

وهذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها ويكشف عنه ويخفف لإيمانه كما فعل بـ"يونس"عليه السلام [2]

فهذه ليست خاصة بيونس،بل بكل مؤمن يدعو الله بهذا الدعاء { وَكَذالِكَ...} [الأنبياء:88] أي:مثل هذا الإنجاء نُنْجي المؤمنين الذين يفزعون إلى الله بهذه الكلمة: { لاَّ إِلَاهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء:87] فيُذهِب الله غَمَّه،ويُفرِّج كَرْبه.

والمؤمن يتقلّب بين أحوال عدة منها:الخوف سواء الخوف أنْ يفوته نعيم الدنيا،أو الخوف من جبار يهدده،وقد يشعر بانقباض وضيق في الصدر لا يدري سببه وهذا هو الغَمُّ،وقد يتعرض لمكر الماكرين،وكَيْد الكائدين،وتدبير أهل الشر.

هذه كلها أحوال تعتري الإنسان،ويحتاج فيها لمَنْ يسانده ويُخرجه مما يعانيه،فليس له حَوْل ولا قوة،ولا يستطيع الاحتياط لكل هذه المسائل.

وقد تراوده بهجة الدنيا وزُخْرفها،فينظر إلى أعلى مِمّا هو فيه،ويطلب المزيد،ولا نهايةَ لطموحات الإنسان في هذه المسألة،كما قال الشاعر:تَمُوتُ مع المرْءِ حَاجَاتُه وتَبْقَى لَهُ حَاجَةٌ مَا بَقِي

(1) - التفسير الميسر - (6 / 3)

(2) - تفسير السعدي - (1 / 529)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت