والناس تحرص دائمًا على أن تستوعب نِعَم الحياة وراحتها،وهم في ذلك مُخْطِئون؛ لأن تمام الشيء بداية زواله،كما قال الشاعر:
إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقْصُه تَرقَّبْ زَوَالًا إذَا قيلَ تَم
لأن الإنسان ابنُ أغيار،ولا يدوم له حال من صحة أو مرض،أو غِنى أو فقر،أو حزن أو سرور،فالتغيُّر سِمَة البشر،وسبحان مَنْ لا يتغير،إذن:فماذا بعد أنْ تصل إلى القمةَ،وأنت ابنُ أغيار؟
ونرى الناس يغضبون ويتذمرون إنْ فاتهم شيء من راحة الدنيا ونعيمها،أو انتقصتهم الحياة شيئًا؟ وهم لا يدرون أن هذا النقص هو الذي يحفظ عليك النعمة،ويدفع عنك عيون الحاسدين فيُسلِّم لك ما عندك.
فتجد مثلًا أسرة طيبة حازتْ اهتمام الناس واحترامهم،غير أن بها شخصًا شريرًا سِّيئًا،يعيب الأسرة،فهذا الشخص هو الذي يدفع عنها عُيون الناسِ وحَسَدهم.
وقد أخذ المتنبي هذا المعنى،وعبَّر عنه في مدحه لسيف الدولة،فقال:
شَخَصَ الأنَامُ إِلَى كَمَالِكَ فَاستْعِذ مِنْ شَرِّ أعيُنهم بِعَيْبٍ وَاحِدٍ
قال أحد الصالحين:عجبتُ لمن خاف ولم يفزع إلى قول الله تعالى: { حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [آل عمران:173] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: { فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ..} [آل عمران:174] .وعجبتُ لمَنْ اغتمَّ،ولم يفزع إلى قوله تعالى: { لاَّ إِلَاهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء:87] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذالِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ } [الأنبياء:88] .وعجبتُ لمن مُكِرَ به،ولم يفزع إلى قوله تعالى: { وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ } [غافر:44] فإني سمعت الله بعقبها يقول: { فَوقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ...} [غافر:45] .وعجبتُ لمن طلب الدنيا وزينتها،ولم يفزع إلى قوله تعالى: { مَا شَآءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ...} [الكهف:39] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: { فعسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ...} [الكهف:40] .