أخرج الإمام أحمد - بسنده - أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"اختر منهن أربعًا"... ).
إلى أن قال بعد ذكر روايات متعددة: (فلما أمره بإمساك أربع وفراق سائرهن، دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال) .
فماذا تقول الفقيهة؟ وهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدرك دلالة قوله سبحانه: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً} ؟ وأدركته الشيخة باستنباطها الأرعن؟
لقد أتعبت"عائشة"نفسها من غير طائل لتصل في النهاية إلى القول بمشروعية تعدد الزوجات حيث قالت بالحرف: (وتحديد القرآن لعدد الزوجات في أربع هو تقليص لفوضى تملك النساء الذي كان منتشرًا) ، لكنها سرعان ما استدركت مصيبتها فقالت: (بل أكثر من هذا فقد حبب الإسلام وحدانية الزواج عند اشتراط العدل: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً} ) ، ثم انتقلت إلى الفلسفة - أو قل السفسطة - قائلة: (وما يتناساه المدافعون عن تعدد الزوجات هو أنه وردت في نفس الآية وبنفس الوضوح إباحة {ما ملكت أيمانكم} ، ومع ذلك لا يدافع أحد اليوم عن استباحة"ملك اليمين"... ) .
هذه المرأة المسكينة وجدت ساحة العلم فوضى سائبة فهاهي تقول ما تشاء من غير رقيب أو حسيب.
ما لا تفهمه"عائشة"؛ أن الرق وملك اليمين ... وما إلى ذلك يبقى في شرع الله خالدًا مخلدًا يباح عند الاقتضاء، ويختفي عند الاقتضاء، إن الإسلام لا يرغب في استعباد الناس وله في ذلك تشريع رفيع. لكن قد يحيى الجهاد في سبيل الله، وهو حي، ويمارس على هدى من الله، وحينها تتشخص إفرازات القتال وتظهر بركاته، ومنها السبي والغنائم والفيئ والخراج، والسبي ... هو ملك اليمين، الذي ظنته"عائشة"ولى وراح جهلًا منها بالفقه الإسلامي؛ إلا أن الإسلام بعد ذلك يعرف كيف يحرر عبيده ويتخلص من الرق بطريقته الخاصة، وله في ذلك شرع حكيم. أما الخوض في حكمة هذا الإجراء الشرعي فليس هنا مجال بسطه.
وفي هذا الصدد طرحت"الفقيهة عائشة"قضية المساواة بين البشر تماشيًا مع روح العصر المناهضة لكل أشكال العبودية ومنه خلصت إلى منع تعدد الزوجات باعتباره لا يتماشا مع روح العصر والمساواة بين البشر كما نصت على ذلك مواد حقوق الإنسان ...
مسكينة"عائشة"، لا تدري عن أي عصر تتكلم، فإن كانت تقصد هذا الزمان بما أسمته روح العصر، فهي كارثة فكرية ورزية عقلية تكشف عن مدى ضياع مثقفينا ومثقفاتنا وغيبوبتهم عن الحقيقة مع ما يرونه ليل نهار من تخلف روح العصر إلى عصر الهمجية والجاهلية قبل مجيء الإسلام، ولكن كما قال الله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] .
لقد كان الإنسان في القديم يستعبد إنسانًا واحدًا أو أسرة واحدة أو عشرة ... والاستعباد اليوم استعباد الشعوب والأمم. كان الرق قديمًا باسم الرق، وهو اليوم رق باسم الحرية والحداثة والحضارة، وهل أمثال"عائشة"إلا رقيقًا في أفكارهن ولباسهن وتصوراتهن وتصرفاتهن ... ؟ وهذا أبشع رق عرفه التاريخ.
كان السيد يجلد عبده ليؤدبه أحيانًا، و"السيد"اليوم - أمريكا - يقتل ملايين الأطفال في العراق وغيره بالحصار الرهيب، ويشرد ملايين الأسر كما في فلسطين، وينهب خيرات الشعوب نهبًا - نفط الخليج مثلًا - وإذا شاءت"عائشة"أن أعطيها صورة للرق المهذب الخبيث في هذا الزمن، فلتنظر إلى تلك الفتاة الجميلة كيف استعبدت في جمالها ووظفت في الإشهار لصالح جيوب الذئاب من المتحضرين ...
هذا كله، وغيره كثير، لا يسمى رقًا ولا عبودية ولا ملك يمين، طبعًا، ولكنه في الحقيقة هو عينه في كثير من جوانبه، لا خلاف إلا في الأسماء.