لو تأخر النصر لربما اعتمل الشك في صدور المؤمنين ونطقوا بكلام يَهدم ماضيهم، يُذهب حسناتهم، يهدد إيمانهم. لكن الله -عز وجل- بحكمته ورحمته- حفظ عليهم دينهم؛ فلم يتأخر النصر أكثر من ذلك الحد؛ لأن الله يبتلي المؤمن على قدر دينه.
(طيب، السؤال الآخر:
لماذا لم يأت النصر قبل ذلك؟
لماذا لم تحسم المعركة ولم تأت الريح في اليوم التالي من الحصار، الأسبوع الأول من الحصار، الأسبوع الثاني من الحصار؟ لماذا امتد الحصار شهرًا كاملا؟
لله في ذلك حكم، منها -والله تعالى أعلم بحكمته-:
أن الله -عز وجل- أراد أن يطيل مدة البلاء حتى يصلب عود المؤمنين، كلما اشتد البلاء كلما صلب عودهم وزاد إيمانهم. أيضًا هناك نقطة مهمة جدًا:
تصوروا ماذا كان سيحصل لو جاء النصر والمؤمنون في قمة يقينهم وثباتهم واستبشارهم بوعد الله؟
يُخشى عليهم -حينئذ- من أن يُعجبوا بأنفسهم، أن يغتروا بأنفسهم. لو جاء النصر قبل أن تأتي مرحلة الظنون والخوف والشك= لربما قال المؤمنون لأولادهم -في المستقبل_: يا أبناءنا، لقد جاء جيش المشركين ولكننا صبرنا، ثبتنا، صمدنا. لربما أسندوا الفضل إلى أنفسهم أنهم هم الذين صبروا، هم الذين ثبتوا.
الله -عز وجل- أراد أن يعرّف المؤمنين: أنكم -بذواتكم- ضعفاء، لولا نصر الله وتثبيته لكم؛ لهلكتم.
أراد الله -عز وجل- أن يمروا بهذه المرحلة -مرحلة ظن الظنون- حتى تنكسر نفوسهم أمام الله -عز وجل- ويستحيوا من ربهم، ويقولوا في أنفسهم: يا رب سامحنا، اغفر لنا، يا رب في يوم من الأيام ظننا بك الظنون لكنك يا رب رحيم حكيم أنجزت وعدك الذي وعدت فاغفر لنا يا رب.
يخرجون من هذه التجربة والمحنة قد ذلت نفوسهم وخضعت وانكسرت لله -عز وجل-، فلا يسندون الفضل إلى أنفسهم، بل يسندون الفضل كاملًا إلى الله -عز وجل- الذي نجاهم في اللحظة الحرجة.