ألا ترى كيف أن الطفل الصغير يستمد ثقته بنفسه من محبة والدَيه له؟ لا يشعر بالاستقرار والطمأنينة إلا إذا عبر والداه عن محبتهما له، إذا قال له أبوه: لا أحبك، فإن هذا يهدد استقراره ويدمر ثقته بنفسه ويعطيه نظرة سوداوية للحياة. ألسنا نحن الخلق عيال الله تعالى ما لنا معيل ولا ملجأ إلا هو سبحانه وتعالى، إذا قال الله لك: لا أحبك، ألا يخيفك ذلك؟ ألا يجعلك ترتعد؟ ألا يُسَود الحياة في وجهك؟ ألا يهدد ذلك استقرارك وطمأنينتك؟ ألا ينبغي لك أن تحاسب نفسك على كل قول أو فعل يمكن أن يجعلك من هؤلاء الذين ذكر الله تعالى في كتابه أنه لا يحبهم؟
عندما يتشرب قلبك هذا المعنى (التودد إلى الله، وأن الله يتودد إلينا) ؛ فستجد وقعًا عظيمًا وإحساسًا جديدًا بكثير من الآيات والأحاديث، مثل قوله تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 21، 22] ، تأمل هذه الآية كلمة كلمة؛ لترى كيف تنبع منها محبة الله.
وفي المقابل الآيات والأحاديث التي تذكر أصنافًا من الناس لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم، فكفى بها عقوبة ألا يكلمك حبيبك ولا ينظر إليك إن كنت صاحب قلب حي.
(تأمل معي كذلك الحديث الذي رواه البخاري أن الله تعالى يقول لأهل الجنة: «يا أهل الجنة» ، فيقولون: لبيك وسعديك، والخير في يديك، فيقول: «هل رضيتم؟» فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: «ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟» فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول: «أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» . أي أن هذا الرضوان الذي أحللته عليكم سيكون سرمديًا أبديًا.
يصعب على جاف الشعور أن يفهم لماذا هذه أعظم النعم! فما دام أهل الجنة في ظل ممدود وفاكهة كثيرة وحور عين فماذا يضيف إليهم رضوان الله في نظره؟!