أما صادق المحبة فيعلم أن رضا المحبوب أسمى الأمنيات ومنتهى الطموحات: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] .
نعم، رضوان الله أكبر من النعم الأخرى كلها؛ أكبر من الجنات والأنهار والمساكن الطيبة، إنه رضا أعظم محبوب سبحانه وتعالى.
تأمل معي كذلك قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} ، يتودد إلينا ربنا ويطلب منا أن نذكره ويعدنا حينئذ بجائزة، ما هي هذه الجائزة؟ أن يذكرنا تعالى. ضعيف المشاعر لا يفهم ما الميزة في أن يذكر الله العبد. أما صادق المحبة فيكفيه أن يذكره أعظم محبوب: الله سبحانه وتعالى.
تأمل معي كذلك الحديث الذي يصور فرحة الله تعالى بتوبة عبده: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة» (رواه مسلم) . فالإنسان النبيل يكفيه دافعًا إلى التوبة علمُه بأنها ستفرح من؟ ستفرح أعظم محبوب؛ الله سبحانه وتعالى!
بل هناك بعد آخر جميل أيضًا: إذا أهداك من تحب هدية، فبأيهما أنت أفرح؟ بالهدية ذاتها أم بدلالتها على محبة من أهداها لك؟ بل تفرح أكثر بأن من أهداها إليك يعبر بذلك عن حبه. لذا ففرحة أهل الجنة مضاعفة، فهم ليسوا فرحين بما آتاهم الله من فضله فحسب، بل وبدلالة هذا الإنعام على حب الله لهم ورضاه عنهم. فلا تنس استشعار هذا المعنى كلما قرأت الآيات والأحاديث التي تتحدث عن الإنعام الإلهي: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ} ، {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ} ، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} ، {آتَاهُمُ اللَّهُ} . رضا الله الذي يدل عليه هذا النعيم أهم من النعيم نفسه.
طبعًا لا يعني ما تقدم أن المؤمن يطيع الله تعالى ويعبده محبة فحسب دون انتظار ثواب أو خوف عقاب، هذه مبالغة ترفضها نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} ، وقوله تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} ، لا بد أن نحب الله، ونطيعه ونلتزم أمره خوفًا وطمعًا أيضًا، إنما المقصود التنبيه على معنى