رؤُي من المصلحة العامة للأمة أن تحدد الملكية الزراعية بحد معين، وأن يؤخذ ما زاد على هذا الحد من مالكه ليعطى لمن رؤى أنهم أجدر بالانتفاع به. فسار هذا المرسوم على الطريق القويم: نزع من المالك القادر الزائد على الحد المعين، وجعله ملكًا للدولة، ثم عوّض عنه القيمة المناسبة بالصفة التي رسمت فيه. ثم وضعت القواعد لتوزيع هذه الأرض المنزوع ملكيتها على من هم أهل لها من صغار المزارعين (بمبلغ التعويض الذي أدّته الحكومة في مقابل الاستيلاء عليها) كما هو نص المادة (11) من ذلك المرسوم.
30 -ومعنى هذا في التطبيق الصحيح: أن الدولة اشترت من المالك القدر الزائد على ما حدد للملكية الزراعية، بثمن محدد، وصار مملوكًا لها، تضعه حيث رأت المصلحة في ذلك. ثم حددت هذه المصلحة بأنها البيع لصغار المزارعين بشروط معينة. فتبيع لهم الدولة مما صار مملوكًا لها فعلا، بالقيمة التي رسمها المرسوم، وكل هذا في حدود القانون وتحت رقابة القضاء. فكان عملا متجاوبًا مع القوانين متناسقًا.
31 -فأين هذا مما نحن فيه؟ زالت (صفة الوقف) عن الأعيان الموقوفة، فهل ذهبت إلى ملك الدولة؟ وبأي صفة؟ وعن أي طريق؟ لم يكن من هذا شيء. بل البديهي أنها عادت إلى مالكها الأول، حيًا أو ميتًا. ولكن الموت يزيل الملك إلى وارث، أو إلى موصى إليه، فإن لم يكن فإلى بيت المال، أي الدولة.
32 -أفسارت الفقرة الثانية من المادة (3) في هذا الطريق القويم الممهّد؟ كلا. لم تنقل هذا الملك الخاص للوارث -مثلا- من مالكه إلى الدولة بنزع للملكية مطابق للقوانين، ولمصلحة عامة، وبالتعويض الكافي للوارث، لتضعه حيث تتحقق المصلحة العامة للأمة -تحت رقابة الفضاء. ولكنها نقلته من مالكه الحقيقي، لتمنحه أو تهبه أو تتبرع به لشخص آخر. دون قيد أو شرط أو تعويض!.
33 -كل ما في الأمر أنها وصفت هذا الموهوب له الممنوح صفة توهم شرعية التصرف. صفة زالت عنه بزوال (صفة الوقف) عن الموقوف: وصفته بأنه (المستحق) ! بل وصفته بصفة هي أبعد عن العدل، وأمعن في الجور: وصفته بأنه (المستحق الحالي) !! وأقطعته إقطاعًا من مال الغير، جعلته ملكًا له خالصًا، ولعله أبعد الناس عن مالكه الحقيقي. ثم أهدرت هذه الصفة نفسها، صفة (المستحق) إهدارًا كاملًا! فلم تنظر إلى من بعد (المستحق الحالي) من (المستحقين) ، ولعلهم لا يمتون إليه بصلة، ولا تربطهم به رابطة. بل لعلهم -في كثير من الحالات- أقرب الناس إلى المالك الأول (الواقف) . أو لعلهم أصحاب الحق الشرعي الصحيح في هذا المال، الذي كان محجوبًا عنهم بإرادة الواقف، باطلة كانت أم صحيحة. ولعله كان محجوبًا عنهم بحياة هذا (المستحق الحالي) وحده، ثم يؤول من بعده إلى موضعه الشرعي الصحيح.
34 -بل إنها جعلت -بهذا النص العجيب- مرجع الملكية، التي تمنحها للناس من أموال الناس، للمصادقة البحتة وحدها. فمن شاء له سوء حظه من الوارثين مات مورّثه (الواقف) قبل (نشر المرسوم بالجريدة الرسمية) ولو بيوم واحد!! ومن شاء له حسن حظه مات مورّثه بعد نشر المرسوم ولو بلحظة واحدة. وعليه عبء الإثبات أمام القضاء. ليحاول إثبات أن مورثه مات بعد طبع المرسوم في (الجريدة الرسمية) ، أو بعد خروجها من المطبعة، ولو بلحظة!!