35 -فتناقضت مناقضة بينة مع المرسوم التي هي جزء منه: فلا هي أنهت (الوقف الأهلي) إنهاء صحيحًا، حالا ومآلا، بإزالة صفته وآثاره وشروطه، وبإهدار إرادة الواقف التي مُحيت بزوال (صفة الوقف) ، خصوصًا إذا كانت باطلة مخالفة لنصوص الكتاب والسنة. ولا هي احترمت إرادة الواقف وشروطه، فيمن وصفهم هو بصفة (الاستحقاق) مطلقًا، سواء منهم الحاليون والمآليون. بل جاءت بشيء لا نستطيع أن نصفه، لا هو موافق للأدلة الصحيحة من الشريعة، ولا هو موافق لأقوال الفقهاء التي كان عليها العمل، مهما يكن فيها من مآخذ.
فلذلك ما قلنا في صدر كلامنا: إنها وقعت حين صدرت باطلة بطلانًا أصليًا، لمخالفتها الدلائل الشرعية القاطعة، لا تحتمل إجازة دستورية، ولا إجازة قانونية، ولا إجازة قضائية.
36 -ثم ما هذه الإرادة -إرادة الواقف- التي تسير على الدهر، وتُحكم بها الأجيال، ويُحل بها الحرام، ويُحرم بها الحلال؟!
37 -إن الله حد حدودًا في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأمرنا بالوقوف عندها، والطاعة لها. لم يأذن لأحد كائنًا من كان أن يخالف عنها، أو يحول دونها. وجعلنا في هذا المال الذي بين أيدينا مستخلَفين فيه. لم يُطلق لأحد أن يأخذه إلا من حيث أذن له، ولا أن ينفقه إلا حيث أذن له.
38 -قال الله تعالى:
(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) .
(الآية 7 من سورة الحديد 57) .
39 -وروى الإمام أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، عن مطرّف بن عبد الله عن أبيه، قال:"انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ألهاكم التكاثر. يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت". زاد مسلم في رواية:"وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس". ينظر صحيح مسلم (384:2 طبعة بولاق) ، وتفسير ابن كثير (222:8 طبعة المنار بمصر) .
40 -وروى الترمذي عن أبي برزة الأسلمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تزول قدما عبد حتى يُسأل، عن عمره: فيم أفناه؟ وعن علمه: فيم فعل؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن حسمه: فيم أبلاه؟". قال الترمذي:"حديث حسن صحيح". ينظر سنن الترمذي (67:2 طبعة بولاق، و291:3 من شرحه طبعة الهند) ، والترغيب والترهيب للمنذري (198:4 من الطبعة المنيرية بمصر) .
41 -إلى ما لا يكاد يحصى، مما ورد في الكتاب والسنة في هذه المعاني، التي تنقض الأسطورة الدائرة على الألسن، تغشى العقول والقلوب وتغطيها: أن المالك حر في ماله يصنع فيه ما يشاء، ويضعه حيث يريد!!
42 -كلا، وما هو بماله. إنما هو مال الله، استخلفه فيه، وسيسأله عنه يوم القيامة: من أين اكتسبه؟ أمن حلال أم حرام؟ وفيم أنفقه؟ أوضعه حيث أمره ربه، وأنفقه في وجوهه الصحيحة؟ هذا وهو حي يأخذ ويعطى. أما إذا مات فلا مال، يخرج من الدنيا عاريًا خالي اليد، كما دخلها عاريًا خالي اليد. زال سلطانه على ماله، وانتقل إلى من استُخلف فيه من بعده. فأين هذه الحرية التي تُدّعى؟!.