43 -ولكن الله سبحانه، بفضله ورحمته، وعلمه بضعف الإنسان وتعلق قلبه بالدنيا، استثنى من ذلك أمرين، جعل لصاحب المال حق توجيهه فيهما بعد موته، وهو حينئذ منقطع الصلة بالمال، منقطعة الصلة بالدنيا، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا: فأذن له بالوصية في ماله، على أن لا تتجاوز ثلث المال، وعلى أن لا تكون لوارث. فمن تجاوز شيئًا من هذا بطلت وصيته فيما تجاوزه، إلا أن يجيزها الورثة، على الرغم مما قرره قانون الوصية (القانون 71 لسنة 1946) ، من إباحة الوصية للوارث، فإنه عمل باطل، فيه تجاوز لحدود الله. والشيء الثاني الذي أجازه الله لصاحب المال من التصرف بعد الموت: الصدقة الجارية، التي منها (الوقف على جهات البر) .
44 -فهذان الأمران بطبيعتهما استثناء صرف، أُجيزا بالنص عليهما. والاستثناء يعمل به في أضيق حدوده، لا يتجاوزها، ولا يقاس فيه شيء على شيء. بل يجب فيه الوقوف عند الحدود التي صدر في نطاقها. وكل ما جاوز هذه الحدود، على أي صفة كان التجاوز، وقع باطلًا.
4 -وموضوعنا في هذا البحث هو (الوقف) . ولم يرد أبدا عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا ممن يقتدى به-: أنه وقف على غير جهات البر والخير، لم يعرف هؤلاء (وقف الجنف والإثم) ، الذي نسميه الآن (الوقف الأهلي) ..
46 -والأصل في الوقف الصحيح حديث ابن عمر، قال:"أصاب عمر أرضًا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأمره فيها، فقال: أصبتُ أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبَسْتَ أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر، أن لا تباع ولا توهب ولا تورث. قال: فتصدق بها عمر في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يُطعم صديقًا غير متأثّل فيه". رواه الإمام أحمد في المسند (رقم 4608، ج6 ص277 بشرح أحمد محمد شاكر، طبع دار المعارف بمصر سنة(1368 - 1948) . ورواه أيضًا البخاري وسائر أصحاب الكتب الستة. وحديث عثمان بن عفان:"أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، وليس بها ماء يُستعذب، غير بئر رُومة، فقال: من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي". ورواه النسائي والترمذي، وقال: حديث حسن. ينظر نيل الأوطار للشوكاني (6: 127 - 128 من الطبعة المنيرية) . وغير ذلك مما ورد في كتب السنة الصحيحة، من أوقاف الصحابة رضي الله عنهم.
47 -وقال الإمام الشوكاني في الدرر البهية:"من حبس ملكه في سبيل الله صار محبَّسًا. وله أن يجعل غلاته لأي مصرف شاء مما فيه قربة. وللواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين. ومن وقف شيئًا مضارّة لوارثه كان وقفه باطلًا".
48 -وقال شارحه العلامة صديق حسن خان في الروضة الندية:"إن الوقف الذي جاءت به الشريعة، ورغّب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعله أصحابه، هو الذي يتقرّب به إلى الله عز وجل، حتى يكون من الصدقة الجارية، التي لا ينقطع عن فاعلها ثوابها. فلا يصح أن يكون مصرفه غير قربة، لأن ذلك خلاف موضوع الوقف".