49 -وقال أيضًا:"إن الأوقاف التي يراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل، ومخالفة فرائض الله عز وجل، فهي باطلة من أصلها، لا تنعقد بحال. وذلك كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم، وما أشبه ذلك. فإن هذا لم يرد التقرب إلى الله تعالى، بل أراد المخالفة لأحكام الله عز وجل، والمعاندة لما شرعه لعباده، وجعل هذا الوقف الطاغوتي ذريعة إلى ذلك المقصد الشيطاني، فليكن هذا منك على ذُكْر، فما أكثر وقوعه في هذه الأزمنة. وهكذا وقف من لا يحمله على الوقف إلا محبة بقاء المال في ذريته، وعدم خروجه عن أملاكهم، فيقفه على ذريته. فإن هذا إنما أراد المخالفة لحكم الله عز وجل، وهو انتقال الملك بالميراث، وتفويض الوارث في ميراثه كيف يشاء. وليس أمر غنى الورثة أو فقرهم إلى هذا الوقف، بل إلى الله عز وجل".
ينظر كتاب الروضة الندية شرح الدرر البهية (2: 158 - 160 من الطبعة المنيرية الأولى، بتصحيح أحمد محمد شاكر) .
50 -وسترون مع هذه المذكرة فتوى عظيمة جليلة، لمجدّد القرن الثاني عشر، ومحيي مذهب السلف الصالح، الإمام شيخ الإسلام، محمد ابن عبد الوهاب- فيها الدلائل القاطعة، والبينات النيرة، على إبطال هذه الوقوف الجائرة، التي وسمها بحق، بأنها (وقف الجنف والإثم) .
51 -ونحن نذهب إلى ما ذهب إليه هذا الإمام العظيم، ومن سبقه من أئمة السنة، من بطلان هذه الوقوف الأهلية، إنشاء وعقدًا وشرطًا، ونرى أن توثيق الوقف الأهلي، بأي صفة، وعلى أي حال، توثيق باطل، لا أثر له على الملكية الأصلية للواقف. إلا ما كان وقفًا على جهات البر خالصًا، سواء أكان موقوتًا أم غير موقوت. على أن يخرج من ثلث مال الواقف الذي يكون في ملكه حين موته. شأنه في ذلك شأن الوصية، إلا أن يجيزه الورثة. و"إنك إن تدع ورثَتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس". كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص، حين أراد أن يوصي بماله، فلم يأذن له بأكثر من الثلث، روا الإمام أحمد في المسند (رقم 1488، ج3 ص49، بشرح أحمد محمد شاكر، طبعة دار المعارف سنة 1366: 1947) . ورواه أصحاب الكتب الستة وغيرهم.
52 -ولكن بعض الناس، دفعهم حرصًا على الدنيا، أن لم يرضوا بما شرعه الله لهم ورسوله، في الميراث والوصية، بما ضعفت آثار الدين في قلوبهم. وركبتهم عادات الجاهلية الأولى، وأبوا إلا أن يركبوا رؤوسهم، ليقسموا أموالهم كما تشاء لهم أهواؤهم أو عقولهم. أو أهواء من وراءهم يدفعونهم، فتحيّلوا بحيلة هذه الوقوف. ووجدوا من الفقهاء من يسايرهم، ويتلمس لهم الشبهات في صورة أدلة، لتوجيه أعمالهم المنكرة وتصحيح مظهرها. فكثرت الفتاوى، وتناثرت الآراء، ثم سالت وطمّت، حتى صارت بحرًا عجاجًا. لا يُدرك ساحله، ولا يعرف أين حقه وأين باطله. إلا من عصم الله.
53 -ولم يكن شيء من هذا في القرون الفاضلة الأولى، حين كان الناس يعرفون حق الله ورسوله في الطاعة فيما أحبوا أو كرهوا. فمن شذّ منهم فحاول من ذلك شيئًا، وجد من يضرب على يده، ويرد إليه عقله ودينه.
54 -فمن مُثُل ذلك: ما روى الإمام أحمد في مسنده، من حديث عبد الله بن عمر:"أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اختر منهن أربعًا. فلما كان في عهد عمر طلّق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر، فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك، فقذفه في نفسك، ولعلك أن لا تمكث إلا قليلًا، وأيم الله، لتراجعن نساءك، ولتراجعن في مالك، أو لأورثهن منك، ولآمرنّ بقبرك فيرجم، كما رجم قبر أبي رغال".