وأما قولهم: إن عمر وقف على ورثته. فإن كان المراد ولاية الوقف، فهو صحيح، وليس مما نحن فيه. وإن كان مراد القائل أنه ظن أنه وقف يدل على صحة ما نحن فيه! فهذا كذب ظاهر، ترده النقول الصحيحة في صفة وقف عمر.
وأما كون صفية [1] وقفت على أخ لها يهودي: فهو لا يرثها، ولا ننكر ذلك.
وأما كلام الحميدي: فتقدم الكلام عنه.
وسر المسألة: أنك تفهم أن أهل الكوفة يبطلون الوقف على المساجد وعلى الفقراء والقرابات الذين لا يرثونهم. فرد عليهم أهل العلم بتلك الأدلة الصحيحة.
ومسألتنا: هي إبطال هذا الوقف الذي يغير حدود الله، وإيتاء حكم الجاهلية، وكل هذا ظاهر لا خفاء فيه. ولكن إذا كان الذي كتبه يفهم منعناه وأراد به التلبيس على الجهال كما فعل غيره، فالتلبيس يضمحل. وإن كان هذا قدر فهمه، وأنه ما فهم هذا الذي تعرفه العوام، فالخلق والخليقة على الله!!.
وأما ختمه الكلام بقوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) : فيا لها من كلمة ما أجمعها. ووالله إن مسألتنا هذه من أنصارها. وقد أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم حدود الله، والعدل بين الأولاد، ونهانا عن تغيير حدود الله، والتحيل على محارم الله.
وإذا قدّرنا أن مراد صاحب هذا الوقف وجهُ الله، لأجل من أفتاه بذلك-: فقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البدع في دين الله ولو صحت نية فاعلها، فقال:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وفي لفظ:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". هذا نص الذي قال الله فيه: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) . وقال: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) . وقال: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) .
فمن قبل ما آتاه الرسول، وانتهلا عما نهى، وأطاعه ليهتدي، واتبعه ليكون محبوبًا عند الله، فليوقف كما أوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما وقف عمر رضي الله عنه، وكما وقفت حفصة وغيرهم من الصحابة وأهل العلم.
وأما هذا الوقف المُحْدَث الملعون المغيِّر لحدود الله: فهذا الذي قال الله فيه، بعد ما حدّ المواريث والحقوق للأولاد والزوجات وغيرهم. (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) .
وقد علمتم ما قال الرسول فيمن أعتق ستة عبيد، وما رد وأبطل من ذلك. فهو شبيه من أوقف ماله كله خالصًا لوجه الله على مسجد أو صوّام أو غير ذلك. فكيف بما هو أعظم وأطمّ من هذه الأوقاف.
(1) في الأصول الثلاثة"حفصة".وهو خطأ من الناسخين، فليس لحفصة قرابة باليهود، وهي بنت عمر بن الخطاب. وإنما الصواب (صفية) ، وهي بنت حيي بن أخطب، أم المؤمنين. وهي التي ثبت عنها نحو هذا المعنى. فقد روى الدارمي عن أبي نعيم عن سفيان عن ليث عن نافع عن ابن عمر:"أن صفية أوصت لنسيب لها يهودي". سنن الدارمي 427:2 طبعة دمشق، وص421 طبعة الهند). وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وفي طبقات ابن سعد (8: 91 - 92 من طبعة أوربة) أنها (أوصت لقرابة لها من اليهود) . وفي رواية أخرى فيه: (أوصت لابن أختها، وهو يهودي) .