فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 117

، وهم فوق ذلك حنابلة، والحنابلة اشتهروا بالشدة على المخالفين من قديم، حتى أن الناس في الشام إلى اليوم يسمون المتشدد"حنبلي"وإن لم يكن حنبلي المذهب ..

أما أهل مصر فليست فيهم هذه الطباع، فهم من أسهل وأبسط الناس، ويميلون إلى الإنبساط واللين ويكرهون الشدة والغلظة في المعاملة، ولذلك يرميهم غلاة الطرف الآخر بالليونة والميوعة مع المخالفين!! وهذه سمات غالبة، وهناك استثناءات كثيرة تظهر بين أفراد الطرفين، ومن هؤلاء الإمامين: فالإمام محمد كان سهلًا هيّنًا ليّنًا بعيدًا عن غلظة وجفاء الأعراب، والإمام سيّد كان عنيدًا ذو أنفة شديدًا متعصّبا لما يعلم أنه الحق ..

إنك لو أخذت كتاب"خصائص التصور الإسلامي"، وهو كتاب في العقيدة، وأعطيته الناس في بيئة الإمام محمد لقال لك المثقفون بأن هذا من الترف الفكري أو من الطلاسم، فأهل نجد اعتادوا على الكلام المباشر المؤدي إلى الغاية دون تكلّف، ولو أخذت كتاب"التوحيد"إلى بيئة الإمام سيّد وفي وقته لقال لك المثقفون بأن هذا كتاب قص ولصق يستطيعه صغار الطلبة وليس فيه إبداع ولا تجديد، وذلك أن أهل مصر اعتادوا تنميق الكلام وزخرفته واستحداث الجديد منه، وهذا من الإختلاف في الأذواق والأعراف [1] ..

الحقيقة أنه لا تناقض ولا اختلاف بين الدعوتين من حيث الأصل، وكل ما يُرى من خلاف إنما هو خلاف تنوّع لا تضاد:

فهذا يدعوا لنبذ البدع القبورية والإعتقادات الرافضية، وذاك يدعوا إلى نبذ الأفكار الشرقية والمعتقدات الغربية اللادينية ..

(1) - تكمن عبقرية الإمام محمد بن عبد الوهاب في اختيار الآيات والأحاديث بدقة كبيرة، ثم ترتيبها ترتيبا يدل على فقه وعلم غزيرين، ثم التعليقات الدقيقة التي أوردها هذا الكتاب حتى شبهه بعض العلماء بكتاب الصحيح للبخاري لدقة اختياره للعناوين وحسن ترتيب النصوص وتسلسلها الجميل، وهو حري بهذا التشبيه لما فيه من علم وفقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت