يجب التنبيه هنا على أمر غاية في الأهمية، وهو أن سيدًا رحمه الله وصم"المجتمع"بالجاهلية وليس كل فرد في ذلك المجتمع، والفرق بين الأمرين كبير وخطير، ومثال هذا: المجتمع الجاهلي في مكة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ثلاثة عشر سنة في مكة"الجاهلية"، ولا يقول مسلم بأن جميع أفراد ذلك المجتمع الجاهلي هم من"الجاهليين".. أما مجتمع المدينة فلم يصبح إسلاميًا إلا بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم واستلامه لزمام الأمور في المدينة، وكانت تلك أول نواة"للمجتمع المسلم"في ذلك العصر الجاهلي، ورغم ذلك كان يوجد في مكة وغيرها من البقاع"الجاهلية"في جزيرة العرب أفراد ينتمون إلى الإسلام، فهناك فرق بين"المجتمع الجاهلي"وبين أفراد ذلك المجتمع، فينبغي فهم مراد سيد رحمه الله من هذا المصطلح، ولا يكون ذلك إلا بربط كلامه بعضه ببعض ..
لعلنا نعيد تلخيص هذه النقطة لأهميتها: لمّا تحاكم الناس إلى الأحكام الشرعية في المدينة أصبح المجتمع مسلمًا رغم وجود الكفار واليهود والمنافقين فيها، ولما كان الحكم في مكة للكفار وللأحكام الكفرية كان مجتمعًا جاهليًا رغم وجود النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فيها، وهذا هو قول العلماء في المجتمعات الحربية أو ما يسمى بدار الحرب أو دار الكفر:
قال الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في المبسوط في تعريف دار الكفر:"هي الدار التي تكون فيها أحكام الكفر ظاهرة وإن كان جل أهلها من المسلمين"..
وقال الإمام ابن مفلح في الآداب الشرعية"هي التي غلب عليها أحكام الكفر"..
وقال ابن حزم في المحلى"إن الدار إنما تُنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها"
وقال القاضي أبو يعلى في المعتمد"وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار الكفر"..