وجاء في كشاف القناع"وتجب الهجرة على من يعجز عن إظهار دينه بدار الحرب، وهي: ما يغلب فيها حكم الكفر"وكلام علماء الإسلام يدور حول هذا المعنى، فالعبرة في تحديد ما هية الدار إلى التحاكم لشرع الله، فلو كانت دارًا لأهل ذمة ويحكمها مسلم بأحكام الإسلام فهي دار إسلام، ولو كانت دارٌ كل أهلها مسلمون ويحكمهم حاكم كافر بأحكام الكفر فهي دار كفر ولكن أهلها مسلمون، وهذه الحقيقة تغيب عن أكثر الناس، فليس العبرة بالسكان أو بإعلان الحرب، وإنما العبرة بالأحكام التي تُحكم بها الدار، وهذا ما بيّنه الإمام سيّد رحمه الله، ولم يقل سيّد بأن جميع أفراد الشعب كفار أو جاهليون وإنما قال بأن الدار دار جاهلية لأنها تُحكم بأحكام الجاهلية، وهناك فرق كبير بين الأمرين لمن أمعن النظر ..
وإذا كنّا نقيس كلام الإمام سيّد بمقياس منتقديه الغريب فلماذا لا نستخدم نفس المقياس مع غيره!! الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وضع عشرة نواقض للإسلام لو طبّقناها حرفيّا لم يبقى على وجه الأرض إلّا نفر قليل جدًا من المسلمين، ومن الغريب أن بعض الذين يزعمون إتباع دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب يتجاهلون بأنه وضع ناقضين من النواقض العشرة (الرابع والتاسع) في الحكم بغير ما أنزل الله، فلماذا لا يقيسون بنفس المقياس!! ولماذا لا يأخذ خصومهم كلام الإمام المجمل حرفيًّا في هذه النواقض ويتركون بقية كلامه التفصيلي كما يفعلون مع غيره!!
وأنقل هنا كلامًا للعلامة محمد رشيد رضا - رحمه الله - في مقدمته لكتاب"صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان"للسهسواني الهندي رحمه الله [1] ، حيث قال رحمه الله واصفًا المجتمع في عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب:"مَن هؤلاء المسلمين الذين خالفهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوته؟ هم أعراب في البوادي شر من أهل الجاهلية، يعيشون بالسلب النهب،"
(1) - هو العلامة المحدث الشيخ محمد بشير الفاروقي: نسبة إلى الفاروق عمر رضي الله عنه، توفي سنة (1326هـ) عن (74) سنة .. وكتابه رد على كتاب"الدرر السنية في الرد على الوهابية"لمفتي مكة المكرّمة الشيخ أحمد زيني دحلان، وقد حشى دحلان كتابه بالكذب والمناكير والأحاديث الموضوعة ما ظن أنه انتصارًا لمذهبه القبوري، فأطال السهسواني النفس في الرد عليه فأجاد أيما إجادة، وكتابه من أفضل الكتب في الرد على القبورية، فجزاه الله عن المسلمين خير الجزاء ..