إلاّ أنّ البشرية عادت الى الجاهلية، وارتدت عن لا اله الا الله، فأعطت لهؤلاء العباد خصائص العبودية، ولم تعد توحد الله، وتخلص له الولاء البشرية بجملتها، وبما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن من مشارق الارض ومغاربها كلمات لا اله الا الله، بلا مدلول ولا دوافع، وهؤلاء أثقل إثما وأشد عذابا يوم القيامة لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد من بعد ما تبين لهم الهدى، ومن بعد أن كانوا في دين الله).
هذا الكلام اذا فهم على ظاهره فهو خطأ واضح لا يمكن أن يوافق عليه أحد من العلماء. لكننا نورد الى جانبه نصين آخرين من كلام الشهيد سيد قطب نفسه، يتبين منهما ماذا قصد سيد من كلامه:
النص الاول: في تفسير قوله تعالى في سورة الأنفال: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينهم وبينكم ميثاق} . يقول سيد قطب: (فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء في المجتمع المسلم، ومن ثم لا تكون بينهم وبينه ولاية، ولكن هناك رابطة العقيدة) فالسيد قطب لم يحكم على هؤلاء المسلمين بالردة مع أنهم يعيشون خارج المجتمع المسلم، واحتفظ لهم بصحة العقيدة، وذلك هو الموقف الصحيح لأن الله تعالى وصفهم بالايمان.
فقال: {والذين امنوا ولم يهاجروا} كما وصفهم بالدين فقال: {واذا استنصروكم في الدين ... }
النص الثاني: في تفسير قوله تعالى في سورة النساء: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ... } يقول السيد رحمه الله: (يأمر الله المسلمين إذا خرجوا غزاة، ألا يبدأوا بقتال أحد أو قتله حتى يتبينوا، وأن يكتفوا بظاهر الإسلام في كلمة اللسان، إذ لا دليل يناقض كلمة اللسان) فالسيد يكتفي هنا بظاهر الإسلام في كلمة اللسان، ويعتبر الانسان بذلك مسلمًا معصوم الدمّ، ولو قلنا أنّ سيد قطب يعتبر المؤذن مرتدًا بمعنى الكفر واستباحة الدم، لكان هذا متناقضًا مع ما ورد في تفسير هذه الآية عند السيد قطب نفسه رحمه الله.
والفهم الصحيح المنسجم مع القواعد الشرعية، والمنسجم مع الشهيد سيد قطب نفسه في نصوص