وبنى بعض هؤلاء على هذه القراءة الحرفية الضيقة تكفير الناس كافة، أو التوقف بشأنهم أو الهجرة من ديارهم ... إلى أين؟ لا أدري!
وبنى آخرون عليها فكرة الانفصال عن المجتمعات وترك العمل فيها واعتزالها، وفُهمت كلمة سيد - رحمه الله - عن (العزلة الشعورية) بتكثيف قوي، وترميز شديد، جعلها بؤرة العمل والانطلاق.
والحق أن القراءة الحرفية الظاهرية لتراث كاتب ما، ليست أمرًا خاصًا وقع مع سيد قطب رحمه الله وحده، لكنها مشكلة تراثية يعاد إنتاجها الآن مع عدد كبير من رموز العلم والفقه والدعوة والاجتهاد، من المتقدمين والمعاصرين.
ولقد يكتب العالم بحثًا، أو يقدم اجتهادًا، أو ينتحل رأيًا في مسألة، وينتصر له بحسب ما توفر لديه آنذاك، فيأتي الخالفون فيقرؤون نصه بقدسية تأسر عقولهم، وتجعل همهم مقصورًا على إدراك النص وفهمه، ثم تقريره وتوسيع دائرته، ثم الاستشهاد له ومدافعة خصومه.
ولذلك يدري كل أحد، أن الأئمة، أصحاب المذاهب الفقهية وغير الفقهية لم يكونوا يشعرون أنهم يؤسسون مذهبًا، ويقيمون بناءً خاصًا راسخ القواعد، مكتمل الأركان، حتى جاء من بعدهم فأصّل وفصّل، وجمع النظير إلى النظير، وتعامل مع كلام الأئمة بحرفية بالغة، بل عدّ بعضهم كلام الإمام ككلام الشارع، من جهة المنطوق والمفهوم، واللازم، والقياس عليه، والناسخ والمنسوخ، والظاهر والنص .... الخ. هذا مع شدة نهي العلماء عن التقليد، حتى إن منهم من كان ينهى عن تدوين آرائه الفقهية، ويحذر من تناقلها.
وكلما كان العالم أوسع انتشارًا، وأكثر أتباعًا، وأوغل في الرمزية - لأي سبب - كان الأمر بالنسبة له أشد، وكانت المشكلة أظهر، لكنها تخف تدريجيًا بتقدم الزمن، ولو من بعض الوجوه. هذه ليست مشكلة العالم أو المفكر، بقدر ما هي مشكلة القارئ أو المتلقي؛ وأيًا ما كانت فهي مما يحتاج إلى بحثٍ ودراسة.