وكذلك يلين في مواضع اللين بحسب المقاصد؛ لأن نظره للدين وليس النظر للحظ، ولا يمكن للإنسان أن يصيب في هذا النظر كإصابة محمد صلى الله عليه وسلم إذا جرد نفسه من الدنيا وشبهاتها، وشهواتها، فإن الإنسان إذا ركن إلى الدنيا وركن إلى المال، وركن إلى الجاه، فإنه قلما يصيب في المواضع الممتزجة، فإنه يميل إلى الشبهات والشهوات وحظ النفس من حيث لا يشعر، ويظن أنه انتصر لدين الله جل وعلا، وما انتصر لنفسه، وهذه أبواب يدركها عند الوقوف بين يدي الله، فقد كان يظن أنه تعلم العلم لله، ولكنه تعلم العلم في الحقيقة ليقال عالم، فتزول عنه الغشاوة بين يدي الله سبحانه وتعالى، فيسحب ويلقى في النار، والعياذ بالله، وذلك أنه تعلم العلم لغير الله جل وعلا، لهذا وجب على العالم أن يحذر من مكامن النفس، وأن يحذر كذلك أيضًا ممن حوله ممن يريد أن يأخذه عن طريق الحق إلى طريق الباطل، سواء كان من أهل الصدق، أو من أهل البغي، فعلى العالم أن ينظر بنور الله ويهتدي بهدي الله، وينظر إلى الكتاب والسنة ويعملهما، وألا يتأثر، وأن يلتجئ إلى الله جل وعلا في حال الوقوع في عرضه، والاتهام له، وليعلم أنه إن تجرد لله جل وعلا وازن في ذلك، وإن خالفه أكثر أهل الأرض، وإن كانوا من الخلص من أهل العلم والمعرفة، فليثبت على دين الله، ولهذا أبو بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى خالفه جمهور الصحابة في قتال المرتدين، فثبت على ما لديه من علم، وقد خالفه العلية من الصحابة كعمر وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآبوا إلى الحق لما بلغهم الدليل أوبة الصديقين العارفين المتبعين للحق، وأما من خالف في ذلك ونكس على عقبيه فحكمه حكم من قاتله أبو بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى من المرتدين وغيرهم.