والسنة له بعد ذلك أن يصلي خلف المقام؛ امتثالًا لقول الله عز وجل: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] ، وهذه الآية ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل الاستدلال، ولم يذكرها كالسنية، كذلك عند شروعه في الطواف، إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158] ، ينبغي للإنسان أن يعلم أن هذه الآية ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام استدلالًا، وكثير من الناس والذين يصنفون في هذا يذكرون أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158] ، ولا يذكرون السنية، وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] ، مع أنها جاءت في سياق واحد، ولهذا نقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام ذكرها امتثالًا لأمر الله.
ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقف ينظر إلى الكعبة متأملًا، ولم يثبت أن النظر إلى الكعبة عبادة، وإنما يفعله الإنسان إذا وجد رقة في قلبه أو نحو ذلك، فلا حرج عليه، أما تعبدًا في ذاته فلا. وينبغي أن يصلي الركعتين خلف المقام، ويقرأ بما شاء، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قرأ بسورة الإخلاص، بـ (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) بهما، والحديث في ذلك معلول، قد جاء في حديث جابر وفيه شك، وجاء من وجه آخر، وعله غير واحد من العلماء، فقد أعله أبو داود وغيره.
وكذلك ينبغي أن يعلم أن مسألة السترة للمصلي في صلاة الحرم يخفف فيها ما لا يخفف في غيرها، وهذا ذهب إليه جماعة من السلف، كقتادة والحسن وأبي جعفر وغيرهم، ولهذا سميت مكة مكة؛ لأن الرجال يصلون أمام النساء، والنساء أمام الرجال.