وأن ما يتعلق بأمة كذلك ينبغي أن ينظر إليه بحسبه، فما كان مؤقتًا يؤجل، وما كان يسقط على سبيل الإلغاء, فهذا يختلف عن غيره. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر، من جاء يريد المبايعة بأركان الإسلام، وإذا وجد فرد من يريد التنزل تنزل له النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن للأفراد لا للجماعة، وحكم الشريعة ونظامها باقيان. وقد روى الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث نصر بن عاصم ويرويه عنه قتادة قال: (كان رجل منا، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعه على ألا يصلي إلا صلاتين, فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يصلي إلا صلاتين) . وهذا إشارة إلى أن هذا الرجل تردد بين أمرين: أن يبقى على وثنيته وكفره، أو أن يدخل الإسلام, ويؤمن بأركانه, ولكنه لا يؤدي إلا الصلاتين, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (صلِ صلاتين) ، وهذا من أبواب الموازنة, والموازنة لا تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء، وقد يقع بعض الخلط في هذا عند بعض الناس، وقد يقع الخلط هذا أيضًا حتى عند بعض أهل العلم والفضل، فضلًا عن عامة الناس. وأعظم ما يجلب الخلط في هذا الأمر: إشغال ذهن الإنسان بنصوص دون نصوص، وهذا لا ينبغي أن يساق العالم إليه. قد تثار نصوص معينة في بعض الأزمنة لتعظم أمرًا وتهون أمرًا آخر، وتخفى نصوص عظيمة بينة طاهرة جلية، فينبغي على العالم أن لا ينطلي عليه هذا اللبس, وإنما ينطلي على القاصر، وعلى بعض طلاب العلم, أو قصيري الأفهام، ومرد ذلك إلى حكم الله سبحانه وتعالى وقضائه. روى الدارمي وغيره من حديث إبراهيم عن علقمة أن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى قال: كيف بكم إذا ألبستم فتنة يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويعمل فيها بغير السنة، فإذا تركت قالوا: تركت السنة، قالوا: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثر قراؤكم, وقل علماؤكم, وكثرت أمراؤكم، وابتغيت الدنيا بالآخرة.