ومن الأمور المهمة أن يعلم أن الشريعة لا تساير الأنفس وتنساق لها، بل الشريعة قد جعلت العقول والأنفس تسير معها، وهي التي تسوس الأنفس والعقول؛ فإن الشريعة جاءت مواكبة، ومنساقة لما فطر الله جل وعلا النفوس عليها؛ ولهذا ينبغي للعالم أن يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد نصره الله جل وعلا وأيده؛ لأن الدين لا يقوم إلا بمحمد، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نصره الله جل وعلا، ووعد الله جل وعلا بنصره فقال سبحانه وتعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40] ، الله جل وعلا جعل النصرة لنبيه، وما جعل النصرة لأتباعه بذواتهم، وهذا من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يدركها وأن يفهمها، فكثير من الناس يجعل ميزان الأولويات، وميزان الموازنات في الأمور بحسب ما يدرك من مآل الأشياء القاصرة عنده، لا بميزان الشرع، وميزان المآلات لا بعقل الإنسان المجرد المحض، وإنما يجمع المآلات تلك ثم يرجئها ويزنها بالشرع. بعض الناس ينظر إلى المآلات، وتكون المآلات إلى شر، قد يكون الخير فعله في بعض الأحيان يأتي بشر، ولكن ذلك الشر لا يكتفى بمجرد وجوده، وإنما ينظر بميزان ذلك الشر في الشريعة، هل ذلك الشر بميزانه في الشريعة يوازي ذلك الخير الحال أم لا؟ ولهذا المآلات ينبغي أن ترجع أيضًا إلى ميزان الشريعة، لا أن ترجع إلى ميزان العقل المحض، وكما انصرفنا وصدرنا من الشريعة، ينبغي أن نرجع أيضًا في أمور المآلات إلى الشريعة، أعظم ما يخلط فيه الناس في أمور المآلات أن يرجعوا ذلك إلى مسألة الحس، أو ذوق الإنسان، أو عاطفته.