ولهذا جعل الله جل وعلا العلماء أعظم الناس خشية له، قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] .إن من أعظم المهمات في فهم دين الله سبحانه وتعالى: أن يعرف الإنسان مراتبه ومقاديره، وكذلك في حال اجتماع المصالح أن يعرف مراتب ودرجات تلك المصالح، وإذا اجتمعت المفاسد أيضًا أن يعرف مراتب ودركات تلك المفاسد، وإلا ضل الإنسان. وسنتكلم هنا في بيان المراتب والمقادير، وكذلك في الدرجات والدركات في أبواب الخير، وأبواب الشر في دين الإسلام التي بينها الله جل وعلا في كتابه العظيم، وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة من أقواله وأفعاله.
إن فقه الموازنات، وفقه الأولويات، من الأمور المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يدركها، وخاصة في الأزمنة المتأخرة, عند اختلاط كثير من أحكام الشريعة، وكذلك عند دخول المبالغات في بعض الأبواب وحقها عدم المبالغة، ودخول التصغير والتحقير لمسائل حقها التعظيم؛ وذلك أن مرد هذا إلى حكم الله جل وعلا وتقديره، وإنما وقع الخلط في كثير من أحكام الله سبحانه وتعالى وموازينه؛ لأن كثيرًا من الناس يظنون أن الإسلام إنما جاء جملة فيؤخذ جملة. وكذلك فإن كثيرًا من الناس يخلطون بين ما يحتاجونه من أوامر الله وأحكامه, وبين أحكام الله سبحانه وتعالى التي لا يطيقها الإنسان, كذلك أيضًا بين مراتب الأمور التي أصلها معظم، ولكنها في ذاتها تعد من فرعيات الدين ومسائله، وإن كانت تدخل في الأصل العام: بعض فرعيات, وجزئيات, وصور دقائق مسائل الإيمان وغير ذلك. وغيرها يدخل في أبواب الفروع، ولكنه أصل وباب فيها، وما يكون في الفروع مما هو ظاهر وأعظم إذا كان من الأصول العظيمة, والدعائم الجليلة, أعظم من بعض الفرعيات وصور مسائل الإيمان، وهذا أمر معلوم.