ومعرفة الحقائق الشرعية وقيمها -كما أنها تعرف بمعرفة ضدها- ولكنها تختلف من باب إلى آخر، بكثرة التحذير، الذي جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكلام الله جل وعلا، ويظهر هذا أن الله سبحانه وتعالى يأمر بشيئين على صيغة واحدة، ويبين العقاب أيضًا على صيغة واحدة، ولكن ذلك العقاب الذي بينه الله سبحانه وتعالى يختلف ويتباين من جهة الوفرة، فهناك بعض الأوامر يبين الله جل وعلا خطورة تاركها بجملة من النصوص، ويكرر ذلك ويرد فيه عشرة من الأخبار, أو عشرون خبرًا مخارجها متنوعة. وإذا جاءنا أمر قد اتحد العقاب عليه مع ذلك الأمر لكنه جاء في خبر واحد فنقول: إن ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان خطر ذلك الفعل بنصوص, وأحاديث متنوعة هي أعظم؛ لأن كثرة التحذير دليل على عظمة ذلك الفعل الذي حذر الله جل وعلا منه. وهذا من الأمور المهمة التي ينبغي أن يعرف حدها الإنسان، وأن يعرف قدرها حتى يخرج إلى ما يسمى بفقه الأولويات. وإذا أدرك الإنسان حقائق هذه الأشياء, ورسخت في قلبه لم تزعزعه الفتن، وكذلك الدعاوى التي يدعيها كثير من الناس بأن هذا باب من أبواب الخير وذاك أولى منه، وحتى حين تتزلزل الأقدام عند الفتن، ويكون أيضًا الشقاق في الناس، ويكثر أيضًا عرض أبواب الخير على سبيل المبالغة فالعالم لا يغتر بذلك. لهذا قد روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث شعبة عن عمرو بن مرة , أن عبد الله بن سلمة يقول: رأيت عمار بن ياسر يوم صفين, وهو شيخ طويل, ويده ترتعد، فقال عمار عليه رضوان الله تعالى, وهو بين الصفين: لو ضربونا حتى بلغوا بنا نخل هجر, إننا لنعلم أننا على الحق وهم على الباطل.