ولهذا ذهب الإمام أحمد و أبو حنيفة و الأوزاعي وجماعة من العلماء إلى أن الحدود لا تقام في أرض الحرب، ولا في بلدان الغزو؛ حتى لا يخرج الفرد من صفوف المسلمين, فيلحق في صفوف أعداء الملة والدين، وهذا إدراك للنص, ومعرفة لقيمته، وأنه يحافظ عليه، كذلك أيضًا معرفة ما يتعلق بمسألة المآل؛ ولهذا قال بذلك غير واحد من الصحابة كما روى البيهقي أيضًا من حديث مكحول عن زيد بن ثابت أنه قال: (لا تقام الحدود في الحرب) ؛ وذلك قد يلحق بالمشركين إذا أقيم عليه الحد. في مسألة الموازنات عند التضاد والتعارض ما يتعلق بالذوات يختلف عما يتعلق بالأمم، وهذا من الأمور التي ينبغي أن تدرك، وأن من الأمور ما لا يكون في أبواب المساومة إذا كان ذلك يقتضي إلغاءً يختلف عما إذا كان يقتضي تأجيلًا، وأما إذا كان يقتضي التنزل في أبواب الأفراد فيختلف عن التنزل في أبواب الأمم، وكذلك أبواب الشعوب عامة؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يسقط الحد عن فرد، لكن لا يسقطه عن النظام، ولا يسقطه في أبواب التشريع. ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول عمر في الصحيح من حديث جابر لما قال عبد الله بن أبي: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز من الأذل، قال عمر بن الخطاب: لأضربن عنق هذا المنافق، قال النبي عليه الصلاة والسلام: أتريد أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) ، فاحتمل النبي عليه الصلاة والسلام عدم إقامة حد الردة عليه مع ظهورها؛ لمصلحة أعظم من ذلك وهو ما يتعلق بإدراك المآلات.
كثير من الناس يتعلق بباب وهو ما يسمى بإدراك المآلات، ثم يضرب بها النصوص الشرعية, ويلغيها نصًا نصًا؛ تعلقًا بشطر من أمور المدركات، وكذلك أبواب الموازين، وهذا نوع من التشهي والخلط؛ لهذا ينبغي للإنسان أن ينظر وأن يفرق بين ما يتعلق بفرد، وما يتعلق بأمة.