ما نتكلم عليه اليوم هو في مسألة فقه الأولويات، وكذلك ما يسمى بفقه الموازنات، لا يمكن أن يتحقق للإنسان معرفة الأولويات إلا بمعرفة باب الموازنات؛ فإن الإنسان لا يمكن أن يعرف أقدار الأشياء إلا بوزنها؛ ولهذا يقال: إن فقه الموازنات سابق لفقه الأولويات. وفقه الموازنات: هو أن يعرف الإنسان مقادير الأشياء، ولا يمكن للإنسان أن يعرف فقه الموازنات إلا بأمرين يسبقان ذلك وهما: الأمر الأول: معرفة المقاصد الشرعية ومآلات الأمور: الأمر الثاني: معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بذوات الأقوال والأفعال والاعتقادات. إذا عرف الإنسان هذين الأمرين فإنه سيوفق إلى الصواب.
لقد شرع الله جل وعلا لهذه الأمة جملة من الشرائع والأحكام، منها ما وافقت فيه الأمم السابقة، ومنها ما اختلفت فيه عن غيرها، وهذا يجمله العلماء بما يسمى بالضروريات الخمس. وهي: ضرورية حفظ الدين، وكان هذا هو الأصل، الذي لأجله الله جل وعلا شرع الجهاد، وشرع القتال، وشرع إقامة الحدود؛ حفاظًا على الدين، وصونًا له من الدخيل فيه، ولما كان ذلك هذا الحفظ -يعني: لضرورية الدين- يلزم منه استباحة الدماء، وكذلك قطع الأطراف، والنفي، وكذلك أيضًا مصادرة ما يسمى بالحريات وغير ذلك؛ حفظًا للدين الذي لا تقوم الدنيا والآخرة إلا به؛ ولهذا جاءت التشريعات بحفظ هذا الدين, وبيان منزلته. والإنسان لا يمكن أن يعرف الموازين إلا وقد عرف قيم الأشياء قبل أن يزنها، أعظم ما يعرف به الإنسان الموازين هو أن يرجع الموزونات إلى حكم الله سبحانه وتعالى, باعتبار أننا نتكلم عن أحكام الشريعة.