لهذا فالذين يأخذون بظواهر الأدلة من كلام الله جل وعلا, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, ببيان منزلة وقدر الأحكام الشرعية الواردة بالنص، ويكتفون بذلك، هذا فيه نوع قصور، وكذلك تجاهل لمراد الله جل وعلا، فإن الله سبحانه وتعالى الذي فرض أركان الإسلام هو الذي فرض أركان الإيمان، والذي جعل السنن والمستحبات، وكذلك جعل المباحات جعلها في باب، وجعل الفرائض في أبواب متنوعة، منها ما كان على فروض الأعيان، ومنها ما كان على فروض الكفاية. وفروض الأعيان تتباين, منها: ما هو فرض إذا تركه الإنسان كفر, وخرج عن الملة، ومنها ما ليس بفرض ولكن مقامه في الشريعة أعظم؛ باعتبار أنه شعيرة من شعائر الدين. والله جل وعلا قد جعل كونه، وجعل أحكامه على تراتيب, وأسباب يلزم من بعضها بعضها الآخر، والإنسان إذا لم يعرف أسباب الأشياء وعرف الغايات أو حصل العكس وقع في خلل وقصور. فالله سبحانه وتعالى قد جعل كل شيء له مرتبة سابقة له؛ فقد أوجد الله الإنسان من عدم، وقبل إيجاده من عدم جعل الله سبحانه وتعالى مقادير الخلائق قبل أن يخلقه؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى مبينًا المراتب التي خلق فيها الإنسان: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [الأعراف:11] .فبين الله سبحانه وتعالى أنه كان الخلق، ثم كان التصوير، ثم أمر الله جل وعلا الملائكة بالسجود لآدم، ثم كان بعد ذلك الامتحان. إن معرفة تسلسل الحوادث، وتدرج الأحكام من الأمور المهمة, التي يعرف فيها الإنسان مراتب الدين.