إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يسأل الله جل وعلا الهداية فيما أختلف فيه, من قضايا الأعيان، وما يتعلق بأبوابنا هنا فيما يسمى بأبواب الموازنات عند التعارض، وكذلك الأولويات, فينبغي لمن هو دونه -من باب أولى- أن يلح أكثر من ذلك وأعظم؛ حتى يوفق إلى الصواب، ولا يكفي الإنسان مجرد علمه، والرجوع إلى عقله فحسب بل عليه فهم ومعرفة المآل، مع التوكل على الله سبحانه وتعالى. فإن لم يعرف ذلك فإنه سيقع في الجهل, والاضطراب, ثم يصدر بظنه عن وحي وقد وقع فيما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى.
والمآلات تدرك بأمور:
أولها: بسؤال أهل الخبرة والعقل، وخاصة من كان أهل السن, وكذلك طول العمر، وهذا من الأمور المهمة أن يرجع الإنسان كثيرًا من المقاصد إلى أهل الخبرة والدراية؛ ولهذا يقول الشاعر: إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ ترى في بعضها خللًالهذا ينبغي لمن قصر عن معرفة التجارب، وكذلك الخوض في أحوال الناس أن يسأل أهل الخبرة والعقل الدراية, وطول العمر في ذلك, فهذا من الأمور التي يمتزج فيها ما لدى الإنسان من علم ومعرفة, مع ما كان من خبرة في أحوال الناس، حتى يصدر عن أمر ناضج مستوٍ.
الأمر الثاني: معرفة التاريخ، وهذا من الأمور المهمة, أن يكون الإنسان على معرفة وبينه بأحوال التاريخ، والتاريخ هو عمر الإنسان، وإن قصر بالإنسان العمر, فكان من أهل النظر, ومعرفة أحوال الأمم والشعوب وما آلت بهم، وكذلك معرفة النوازل, والفتن, وأحوال الناس، وكذلك سير الصحابة وأحوالهم، وكذلك ما كان فيهم من مناكفة، وكذلك مجادلة ومجاهدة لأعداء الملة والدين، وكذلك أحوالهم في حلهم, وسفرهم, وسياستهم لكثير من الأمور, يصدر الإنسان في مثل ذلك عن دراية وعقل، ويخرج حينئذ بنتيجة خالصة متمحضة.