كذلك ما تقدم معنا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتريد أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟!) ، وهذا من إدراك أحوال الناس، قول النبي عليه الصلاة والسلام: (أتريد أن يتحدث الناس) ، النبي عليه الصلاة والسلام لا يقصد الأقربين؛ لأن الأقربين عايشوا القصة ويعرفونها، ولكن يريد الكلام الذي ينقل من مجلس إلى مجلس حتى يخرج المدينة فيتحدث الأبعدون، عما حدث في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا المقرب الذي ذهب معه وقاتل معه، وذهب وجاء، ويحضر مجالس النبي عليه الصلاة والسلام, قتله فيحمل تأويل ذلك على غير ذلك المراد، وهذا من الحكم العظيمة التي ينبغي أخذها, والنظر فيها على ما جاء من وحي الله جل وعلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأمر الثالث من الأمور التي ينبغي أن يصدر عنها الإنسان في معرفة الأوليات: أن يدرك الإنسان ما يقابل ذلك الأمر من مرتبة من أبواب الشر، وما يفوت من مصلحة على سبيل التعيين، وتقدمت الإشارة إلى أن من أعظم ما يوفق إليه الإنسان من الخير: أن يعرف مراتب الخير بعضها من بعض وأيها أولى، ويعرف مراتب الخير، وما يقابلها من مراتب الشر. ثم يقيم كل مرتبة على ما تقدم الكلام عليه في أبواب الموازنات. إذا كانت هذه المصلحة بذاتها، والمصلحة لها أمران: الأمر الأول: قيمتها من جهة النص الشرعي. الأمر الثاني: قيمتها من جهة مآلها؛ لأن المصلحة قد تؤدي إلى مفسدة. والمفسدة التي قد تؤدي إليها تعرف بأمرين: الأمر الأول: معرفتها من جهة النص وقيمتها. الأمر الثاني: مآل تلك المفسدة.