فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 44

ونحن حينما نتكلم على الموازنة في أبواب الشريعة، لابد للإنسان إذا أراد أن يعرف قيمة الشيء ووزنه, أن يرجعه إلى أهل النظر فيه، وأهل النظر هنا هو المشرع سبحانه وتعالى, الذي شرع الشرائع وأمر بالأحكام، وجعل الحكم له جل وعلا لا لغيره؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40] ، فجعل الحكم له وجعله عبادة. وجعل المخالف له في تبيين مقدار تلك الأشياء, مخالفًا له جل وعلا في أبواب التشريع، ومناقضًا لحكم الله سبحانه وتعالى. وكثير من الناس -والعامة أعظم- تكون أمامهم عقبة في فهم مراد الله سبحانه وتعالى في الأحكام الشرعية، وكذلك ترتيبها في أبواب الموازنات, خاصة عند الفتن والمحن واشتداد الأمور, يقع لديهم الخلط في هذا الأمر، وهذا مقترن بمعرفة الشق الآخر في أبواب الموازنات, وهو معرفة المقاصد والمآلات التي لابد للإنسان أن يتبصر بها. ومعرفة الإنسان لحقيقة الشيء أيضًا لا تجعله يحكم على الشيء بالاطراد، وإنما لابد من معرفة المآل، فإذا عرفنا أن الله جل وعلا قد قدم أمر الدين على غيره, فالدين حينئذ على مراتب: منه ما هو واجب، ومنه ما هو فرض، ومنه ما هو مستحب، فالله سبحانه وتعالى قد جعل ضرورية حفظ الدين مقدمة على حفظ النفس، فهل يقال: إن الإنسان يقيم نافلة, ولو كان ذلك بإراقة الدماء تحت هذه القاعدة، نقول: هذا من الجهل. إذًا لا بد للإنسان أن يجمع بين الأمرين، ومعرفة ما تؤول إليه الأحوال، وكذلك الأقوال، فإذا عرف ما تؤول إليه ونظر بنور الله جل وعلا واهتدى بهديه, أرجع تلك الأحوال والمآلات إلى نصابها, ثم حكم بينها وبين ما كان حالًا من مراد الله جل وعلا وحكمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت