لهذا لا يمكن للإنسان أن يعرف حقائق الأشياء إلا بمعرفته بسببي المعرفة التامة، وهي معرفة الشيء بحقيقته، ومعرفته ببيان ضده؛ والنبي صلى الله عليه وسلم قد عرف الأشياء لأمته على الوجهين، ببيان حقيقة الشيء وبيان ضده. فإذا أردنا أن نأخذ المأمورات التي بينها الله سبحانه وتعالى لعباده في كتابه العظيم, لا يمكن أن نعرف ذلك إلا بمعرفة ضدها: وبضدها تتبين الأشياءوإذا أردنا أن نعرف توحيد الله سبحانه وتعالى، وكذلك الصلاة، والزكاة وقيمها, وإخراجها إلى ميزانها الحق إذا أردنا أن نوازن، نحن نريد أن نوازن بين الصلاة والزكاة، وكذلك بين الحج وصيام رمضان، أيها أعظم؟ وكثير من الناس يخلط في هذا الأمر, لماذا؟ لأنه قد أشغل ذهنه بالنصوص الواردة في إيجاب ذلك، ولم يشغل ذهنه في بيان عقوبة تارك ذلك وحكمه في الشرع، وما أنزل الله جل وعلا من عقوبة لمن فعل خلاف أمره جل وعلا، وإذا جهل الإنسان الشطر الآخر، أو ما يسمى بحال الإنسان في حال مخالفة النص, وقع لديه الخلط في هذا الأمر. نجد النصوص الشرعية في بيان التشريعات كلها منها ما كان على سبيل الوجوب والفرض، وما كان أيضًا على سبيل الندب والاستحباب, نجد أنها قد شرعت بصيغة واحدة وهي افعل، وأما العقوبة فنجد أنها تتباين، وهذه العقوبة هي التي يقع فيها الخلط؛ ولهذا وجب على العالم، وكذلك وجب على طالب العلم, أن يتبصر بالشطر الآخر وهو معرفة النقيض، وذلك أن الإنسان إذا فقد ذلك الحكم ما حكمه في الشرع؟ الإنسان إذا فقد التوحيد ما ميزانه؟ بعض الناس يقع في شيء من صور الشرك، ولكنه يسلي نفسه، أو يرضى عن الآخرين؛ لأنه مثلًا بار بوالديه، أو يتصدق، أو يكفل الأيتام، أو ينفق, أو غير ذلك من مسائل الإحسان، أو يعمر المساجد وهو قد وقع في الشرك، وهذا من الخلط في أبواب الموازنة.