في هذا إخبار من النبي عليه الصلاة والسلام إلى معرفة حال الإنسان قبل توجيه الخطاب إليه، كذلك التدرج في إنزال الأحكام، والتدرج في إنزال الأحكام هو نوع من أنواع الموازنات، وكذلك معرفة الأولويات، إذا جاء إليهم وكان الإنسان على عاطفة ونحو ذلك، ربما يدعوهم إلى بعض الأمور المستحسنة، ما يسمى بمكارم الأخلاق وغير ذلك، وهذا نوع من التقصير, أن يدلهم على الصدق، وعلى تحريم الغش, وصلة الأرحام وغير ذلك، ولا يدعوهم إلى توحيد الله جل وعلا, وهذا من الجهل. قد يقول قائل: إن هذه الأمور تدلهم على الإسلام؟ نقول: هذا من الجهل وهو نقص للشريعة، ينبغي أن تدعوهم إلى التوحيد، ويقترن ذلك بحسن الخلق والدعوة إلى الأمانة، والصدق, وغير ذلك؛ فإن هذا لا يضيع أمر التوحيد، وإنما إذا تجرد منه الإنسان وقع في ذلك الخلط. ولهذا عمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله لما ولي الولاية، وكان ثمة خلط في كثير من أعمال الإسلام، كان يدعو الناس على سبيل التدرج، فلما قال له ابنه في ذلك، قال: إنك ما علمتهم وأخذتهم بالإسلام جملة, إلا تركوه جملة، وهذا للعلم والإدراك بأحوال الناس، كذلك معرفة المراتب، وهذا من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يقيمها. ويظهر هذا أن الإنسان إذا وقع لديه خلط في هذا الأمر بمعرفة أحوال المخاطبين، وكذلك في المآلات التي ربما تؤول إليها الأمور, أن الإنسان يطرد في تنزيل أحكام الله سبحانه وتعالى عليهم, فيقع ذلك الأمر في الفتنة، وكذلك الصد عن سبيل الله، وهذا يظهر في ممارسات كثير من أهل الحق.