قوله: «وَمِنْها سَتْرُ العَوْرَةِ» ، أي: من شروط الصَّلاة ستر العورة والسَّترُ بمعنى التغطية. والعَوْرة: هي ما يسوءُ الإنسان إخراجه، والنَّظر إليه؛ لأنها من «العَوَر» وهو العيب، وكلُّ شيء يَسُوءُكَ النَّظرُ إليه، فإن النَّظر إليه يُعتبر من العيب.
ولم تأتِ كلمة «سَتْرُ العَوْرَة» في الكتاب أو السُّنَّة، ومن أجل أنَّه لم تأتِ ينبغي أن لا نعبِّر إلا بما جاء في القرآن والسُّنَّة في مثل هذا الباب، فلو عَبَّرَ بما جاء في القرآن أو السُّنَّة لكان أسلم، والذي جاء في القرآن:) يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (لأعراف: من الآية 31) . فأمر الله تعالى بأخذ الزِّينة عند الصَّلاة، وأقلُّ ما يمكن لباس يُواري السَّوأة، وما زاد على ذلك فهو فَضْل. إذًا؛ فليس مَنَاط الحُكم سَتْر العَورة، إنما مَنَاط الحُكم اتِّخاذ الزِّينة، هذا هو الذي أمرَ الله به، ودلَّت عليه السُّنَّة.
قوله: «فيجب بما لا يَصِفُ البَشَرة» ، يُشترط في الثَّوب السَّاتر أربعة شروط:
الأول: ألَّا يصفَ البشرة كما قال المؤلِّفُ، فإن وَصَفَها لم يجزئ.
الثاني: أن يكون طاهرًا. فإذا كان نجسًا فإنه لا يصحُّ أن يصلِّي به، ولو صَلَّى به لا تصح صلاتُه. وهذا الشَّرطان الأولان فواضحان وأدلتهما ظاهرة.
الثَّالثُ: أن يكون مباحًا، أي: ليس بمحرَّمٍ، والمحرَّمُ ثلاثة أقسام: محرَّم لعينه، محرَّم لوَصْفِهِ، محرَّمٌ لكسبه. أما المحرم لعينه: فكالحرير للرَّجُل، وأما المحرَّم لوصفه: فكالثوب الذي فيه إسبال، وأما المحرَّم لكسبه: فأن يكون مغصوبًا أو مسروقًا. (وهذا) الشرط محلُّ خلافٍ بين العلماء، فمن أهل العلم من يقول: إن السَّتر يحصُل بالثَوب المحرَّم. وعلى هذا فإذا صَلَّى بثوبٍ مُحَرَّمٍ فصلاتُه صحيحة؛ لكنه آثمٌ؛ لأنه متلبِّسٌ بثوب محرَّم.
الرابع: ألا يضره، (كأن يكون) الثوب فيه مسامير. ولو أنَّ إنسانًا في جلده حَسَاسية لا يمكن أن تقبل أيَّ ثوب، ولو لَبِس ثوبًا لكان مشغولًا جدًا فماذا يصنع؟ فالجواب: أن يُقال: إن الحرير يُخَفِّفُ هذه الحَسَاسية، وأن الإنسان إذا كان في جلده حَساسية ولبس الحرير، فإن الحَساسية تبرد عليه ما دام عليه هذا الثَّوب. وحينئذ نقول: الْبِسْ ثوبًا من حرير إذا تمكَّنت، وإذا لم تتمكَّنْ فصلِّ حَسَبَ الحال.
قوله: «وعورة رَجُلٍ وأَمَةٍ، وأُمِّ وَلَدٍ، ومُعْتَقٍ بعضُها، من السُّرَّة إلى الرُّكبة وكُلُّ الحُرَّةِ عَوْرَة إلا وَجْهَهَا.» ، بدأ المؤلِّف يفصِّل في العورة. فالعورة في الصَّلاة على المشهور من مذهب الحنابلة