الصفحة 152 من 354

يقين، فوجب عليه، ولأنَّ الأصل وجوب الاستقبال إلى البيت الذي هو البناء وليس إلى المسجد كلِّه، وإلا لصحَّ أن نقول: إن الذي يصلِّي إلى الجانب الجنوبي منه مثلًا له أن يستقبل الجانب الشمالي منه، ولو كانت الكعبة عن يمينه أو عن يساره، ولا أحد يقول بهذا، فالمقصود الأول هو عينُ الكعبة، فإذا أمكن وجب.

وقوله: «ومَنْ بَعُدَ جهتُها» ، أي: من بَعُدَ عن الكعبة بحيث لا يمكنه المشاهدة؛ فيجب عليه إصابةُ الجهة، والجهة حدَّدها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تستقبلوا القِبْلة بغائطٍ ولا بولٍ، ولا تستدبرُوها، ولكن شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا» . لمَّا قال: «شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا» يريد بذلك عكس القِبْلة، وعلى هذا فيكون ما بين المشرق والمغرب بالنسبة لأهل المدينة كلُّه قِبْلة، فالجنوب كلُّه قِبْلة لهم، ليس قِبْلتهم ما سامت الكعبةَ فقط، وبهذا نعرف أنَّ الأمر واسع، فلو رأينا شخصًا يُصلِّي منحرفًا يسيرًا عن مُسامَتَةِ القِبْلة، فإن ذلك لا يضرُّ، لأنَّه متَّجه إلى الجهة وهذا فرضه. وجهة القِبْلة لمن كانوا شمالًا عن الكعبة ما بين الشَّرق والغرب، ولمن كانوا شرقًا عن الكعبة ما بين الشَّمال والجنوب. ولمن كانوا غربًا ما بين الشَّمال والجنوب، ولمن كانوا جنوبًا عن الكعبة ما بين الشرق والغرب، فالجهات إذًا أربع، وهذا مقتضى حديث أبي أيوب.

واعلمْ أنه كلَّما قَرُبتَ من الكعبة صَغُرت الجهة، فإذا صِرتَ تحت جدار الكعبة تكون الجهة بقَدْر بدنك فقط، أي: لو انحرفت أقلَّ انحراف عن الكعبة، إما عن يسارك أو عن يمينك بطلت.

قوله: «فَإنْ أَخْبَرَه ثِقَةٌ بِيَقِينٍ» ، شرع المؤلِّف في بيان ما يُستدلُّ به على القِبْلة. فذكر أشياء:

الأول: خبرُ ثقة؛ لكن عن يقين، فلو أخبره ثقة بيقين - رَجُل أو امرأة - أن هذه هي القِبْلة، لَزِم الأخذ بقوله. والثقة: تستلزم العدالة والخبرة، فإن لم يكن عدلًا فليس بثقة، فإذا قال لنا إنسانٌ فاسقٌ: القِبْلة هنا، وإنْ كان ذا خبرة، فإننا لا نعمل بقوله؛ لأنه ليس بعدل، وكذلك إذا قال لنا إنسانٌ عدل ظاهرًا وباطنًا صاحب عبادة وزهد وورع: هذه هي القِبْلة، ولكنه ليس ذا خبرة، فإنَّنا لا نأخذ بقوله؛ لعدم الثِّقة بقوله؛ لكونه ليس ذا خبرة.

وأفاد المؤلِّف بقوله: «فإن أخبره ثقة» أنه لا يُشترط التَّعدد، يعني: لا يُشترط أنه يخبره ثقتان. وأفادنا أيضًا بقوله: «ثقة» أنه لو كان المخبر امرأة يُوثق بقولها؛ لكونها عدلًا وذات خِبرة، فإننا نأخذ بقولها.

وقول المؤلِّف: «بيقين» ، أي: بأن أخبره عن مشاهدة، وأفادنا أنَّه لو أخبره الثقة عن اجتهاد، فإنه لا يعمل بقوله. والصَّواب: أنه لو أخبره ثقة سواءٌ أخبره عن يقين أم عن اجتهاد، فإنه يعمل بقوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت