فصلٌ
قوله: «فصل» يعني: في الجمع بين الصلاتين.
قوله: «يجُوزُ الجمع» التعبير بكلمة «يجوز» يحتمل أن يريد المؤلف: أنه لا يمنع. ويحتمل أنه يريد الإِباحة. والمعروف من المذهب أن الجمع جائز، وليس بمستحب، بل إن تركه أفضل، فهو رخصة، وتركه أفضل للخلاف في جوازه، فإن مذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز الجمع إلا بين الظهر والعصر في عرفة، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة. والصحيح: أن الجمع سنّة إذا وجد سببه.
قوله: «بين الظهرين, وبين العشاءين في وقت إحداهما» . أي الأولى أو الثانية.
واعلم أنه إذا جاز الجمع صار الوقتان وقتًا واحدًا، فإن شئت فاجمع في وقت الأولى أو في الثانية أو في الوقت الذي بينهما، وأما ظن بعض العامة أنه لا يجمع إلا في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، أو آخر وقت المغرب وأول وقت العشاء فلا أصل له.
قوله: «في سفر قصر» هذا أحد الأسباب المبيحة للجمع، وهو سفر القصر.
وظاهر كلامه أنه يجوز الجمع للمسافر سواء كان نازلًا أم سائرًا، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء. فمنهم من يقول: إنه لا يجوز الجمع للمسافر إلا إذا كان سائرًا لا إذا كان نازلًا. والقول الثاني: أنه يجوز الجمع للمسافر، سواء كان نازلًا أم سائرًا. والصحيح: أن الجمع للمسافر جائز لكنه في حق السائر مستحب وفي حق النازل جائز غير مستحب إن جمع فلا بأس، وإن ترك فهو أفضل.
قوله: «ولمريض يلحقه بتركه مشقة» أي: يجوز الجمع لمريض يلحقه بترك الجمع مشقة أي تعب وإعياء، أيَّ مرض كان، سواء كان صداعًا في الرأس، أو وجعًا في الظهر، أو في البطن، أو في الجلد، أو في غير ذلك، فمتى لحق المكلف حرج في ترك الجمع جاز له أن يجمع، ولهذا قال المؤلف: «ولمريض يلحقه بتركه مشقة» .
وفهم من قول المؤلف: أنه لو لم يلحقه مشقة، فإنه لا يجوز له الجمع وهو كذلك. فإذا قال قائل: ما مثال المشقة؟ قلنا: المشقة أن يتأثر بالقيام والقعود إذا فرق الصلاتين، أو كان يشق عليه أن يتوضأ لكل صلاة .. والمشقات متعددة. فحاصل القاعدة فيه: أنه كلما لحق الإِنسان مشقة بترك الجمع جاز له الجمع حضرًا وسفرًا.
قوله: «وبين العشائين» أي: بين المغرب والعشاء، للأعذار التالية:
الأول: قوله: «لمطر يبل الثياب» يعني: إذا كان هناك مطر يبل الثياب لكثرته وغزارته، فإنه يجوز الجمع بين العشائين، فإن كان مطرًا قليلًا لا يبل الثياب فإن الجمع لا يجوز. فإن قيل: ما ضابط البلل؟ فالجواب: هو الذي إذا عصر الثوب تقاطر منه الماء.