الصفحة 353 من 354

قوله:"وتسن تعزية المصاب بالميت"، والتعزية: هي: التقوية، بمعنى: تقوية المصاب على تحمل المصيبة، وذلك بأن تورد له من الأدعية، والنصوص الواردة في فضيلة الصبر ما يجعله يتسلى وينسى المصيبة، لا أن تأتي إليه لتثير أحزانه مثل: أن تأتي لتعزيه بابنه، فتقول - مثلًا: هذا ولد شاب صالح، فكيف يأخذه الموت، وما أشبه ذلك من الكلام.

قوله:"تعزية المصاب": ولم يقل: تعزية القريب؛ من أجل الطرد والعكس، فكل مصاب ولو بعيدًا فإنه يعزى وكل من لم يصب ولو قريبًا فإنه لا يعزى، من أصيب فعزِّه، ومن لم يصب فلا تعزه. مثال ذلك: إذا قدرنا أن هناك ولدًا شريرًا قد آذى أباه وأهله، ثم مات، وإذا وَجْهُ أبيه تبرق أساريره، ويقول: الحمد لله الذي أراحنا منه، فهذا لا يعزى، مع أن الناس يجعلون العلة في التعزية القرابة، وهذا غلط. فالعلة هي: المصيبة. ولهذا قال العلماء: إذا أصيب الإنسان ونسي مصيبته لطول الزمن، فإننا لا نعزيه؛ لأننا إذا عزيناه بعد طول الزمن، فهذا يعني أننا جددنا عليه المصيبة والحزن.

قوله:"ويجوز البكاء على الميت"، أي: البكاء الذي تمليه الطبيعة، ولا يتكلفه الإنسان، فأما البكاء المتكلف فأخشى أن يكون من النياحة التي يحمل عليها قول النبي عليه الصلاة والسلام: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه.

"يعذب": أي: في القبر، وقد اختلف العلماء في هذا الحديث، إذ كيف يعذب الإنسان على عمل غيره وقد قال الله تعالى:) وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ث) (الزمر: من الآية 7) ؛ وأحسن الأجوبة فيها هو: أن التعذيب هنا ليس تعذيب عقوبة، ولكنه تعذيب ملل وشبهه، ولا يلزم من التعذيب الذي من هذا النوع أن يكون عقوبة، ويشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"السفر قطعة من العذاب"، مع أن المسافر لا يعاقب، لكنه يهتم للشيء ويتألم به، فهكذا الميت يُعلم ببكاء أهله عليه فيتألم ويتعذب رحمة بهم، وكونهم يبكون عليه، وليس هذا من باب العقوبة.

مسألة: هل يجوز للمصاب أن يحد على الميت بأن يترك تجارته أو ثياب الزينة، أو الخروج للنزهة، أو ما أشبه ذلك؟ الجواب: أن هذا جائز في حدود ثلاثة أيام فأقل إلا الزوجة، فإنه يجب عليها أن تحد مدة العدة أربعة أشهر وعشرة أيام إن لم تكن حاملًا، وإلا إلى وضع الحمل إن كانت حاملا.

مسألة: هل يجوز أن يحد في أمر يلحقه أو عائلته به ضرر، مثل: أن يكون رجلًا متجرًا، لو عطل التجارة لتضررت كفايته؟ الجواب: لا، هذا ليس مباحًا، بل هو إما مكروه، وإما محرم.

قوله:"ويحرم الندب"، الندب: هو تعداد محاسن الميت بحرف الندبة وهو"وا"فيقول: واسيداه، وامن يأتي لنا بالطعام والشراب، وامن يخرج بنا إلى النزهة، وامن يفعل كذا وكذا.

قوله:"والنياحة"وهي: أن يبكي، ويندب برنة تشبه نوح الحمام؛ لأن هذا يشعر بأن هذا المصاب متسخط من قضاء الله وقدره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت