فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 118

محل الشاهد: قوله -تعالى-: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ}

والمعنى: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدوة لأمته في جميع ما يقع منه قولًا أو فعلًا أو تقريرًا ما لم يدل دليل على اختصاصه به -صلى الله عليه وسلم-، والأمة مأمورة بمتابعته، وذلك في قوله -تعالى-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [1] ، فلذا لما حرم على نفسه ما هو حلال حذره الله -تعالى- بقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} ، إذ لو لم يحذر -صلى الله عليه وسلم- من التحريم على نفسه مما أحله الله له لكان ذلك سنة متبعة قد أتانا بها، ومتابعته قائمة على عاتق الأمة مادامت الرسالة وخلود الشريعة وأحكامها، فلا ينبغي لرسول ولا نبي أن يمنع نفسه مما أحله الله له تطلبًا وابتغاء لمرضاة أزواجه، لأن الله رفع شأنه فوق جميع خلقه، وجعله قدوة حسنة لأمته، وتحريمه هذا مما يشق على أمته في مستقبل حياتها [2] .

وبناء على هذا فقد عاتبه الله -تعالى- على تحريم نفسه سريته مارية القبطية أم ولده إبراهيم وكان العتاب لأجل تقديمه -صلى الله عليه وسلم- رضا أزواجه على ما يختص براحته النفسية لابتغاء مرضاتهن، لذا بين الله -تعالى- الباعث من العتاب بقوله: {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} ، فكأن المعنى: يا أيها النبي لم تمنع نفسك وتحرمها مما أحل الله لك من راحتك النفسية وسرورك القلبي تَبْتَغِي بذلك مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ؟، وليس مجرد تحريمه -صلى الله عليه وسلم- نفسه من المباح محلًا للعتاب لأنه -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما منع نفسه من بعض المباحات -التي ينعم بها الناس زهدًا في الدنيا وبعدًا

(1) سورة الحشر، الآية: 7.

(2) انظر: المطرَفي، آيات عتاب المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ص: 297 - 299.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت