طريقها؛ لكي يهديهم، أو لم يصل إلى معرفة كنه الحق الذي يجب أن يكون قومه عليه، ولم يطمع إلا في خويصة نفسه يود أن يجد لنفسه قبس نور يضيء له سبيل الحق، مما كان باعثا له على التفكر والخلوة والالتجاء إلى الله، فكان يتحنث (يتعبد) في غار حراء، فلما انتشله الله من تلك الوحلة بما أكرمه به من الوحي، كان ذلك شرحا لما كان يضيق به صدره يومئذ، فانجلى له النور، وأمر بإنقاذ قومه، وقد يظنهم طلاب حق وأزكياء نفوس، فلما قابلوا إرشاده بالإعراض وملاطفته لهم بالامتعاض، حدث في صدره ضيق آخر أشار إلى مثله قوله -عز وجل-: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [1] وذلك الذي لم يزل ينزل عليه في شأنه ربط جأشه بنحو قوله -عز وجل-: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [2] فكلما نزل عليه وحي من هذا أكسبه شرحا لصدره.
وكان لحماية أبي طالب إياه، وصده قريشا عن أذاه، منفس عنه، وأقوى مؤيد له ولدعوته، ينشرح له صدره، وكلما آمن أحد من الناس تزحزح بعض الضيق عن صدره.
وكانت شدة قريش على المؤمنين يضيق لها صدره، فكلما خلص بعض المؤمنين من أذى قريش بنحو عتق الصديق بلالا وغيره ينشرح صدره به، وبما بشره الله من عاقبة النصر له وللمؤمنين تصريحا وتعريضا نحو قوله في السورة قبلها: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [3] ، فذلك من الشرح المراد هنا.
وجماع القول في ذلك أن تجليات هذا الشرح عديدة وأنها سر بين الله -عز وجل- وبين رسوله -صلى الله عليه وسلم- المخاطب بهذه الآية.
(1) سورة الشعراء، الآية: 3.
(2) سورة البقرة، الآية: 272.
(3) سورة الضحى، الآية: 5.