وقوله: (لا تزيغُ به الأهواء. أي تزيغه ولا تُميلُه. كما يقال أقامه وقام به) . أي أن حكم القرآن لا تغيره الأهواء التي تعتري الناس, فحم القرآن واحد لا يتغير, والناس يغيرون وإن انتسبوا إلى الإسلام والشريعة أو انتسبوا إلى القرآن, ثم انتحلوا أقولًا لا يدل عليها آي القرآن الكريم, فيكون الزيّغُ فيهم, وأما القرآن فإن حكمه واحد لا يتبدل سواءً في باب الأخبار أو في باب الطلبيات.
ثم ذكر من صفته أنه لا يخلق عن كثرة الرد. فهو لا يخلولق ولا يبلى بكثرة ترداده وتلاوته وقراءته, بل كلما تلي ازداد جدّةً وطلاوة, وكلما تدبر الإنسان شيئًا من الآي سبق له أن تدبره في ما سلف ظهر له من المعاني الجديدة ما لم يكن له ظاهرًا من قبل, كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وهذا شيءٌ أختص به القرآن الكريم بخلاف عادة الكتب الأخرى, فإن الكتب الأخرى ربما ملت النفوس قراءتها أو انتهت إلى قدرٍ مقادير استنباط فوائدها, أما القرآن الكريم فإنه لا يزال بحرًا زاخرًا من الفوائد والعوائد الجليلة في حقائق العلم والإيمان, ولكنه نور يجعله الله سبحانه وتعالى لمن يشاء, {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور/35] , {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور/40] .
وقال أبو عبيد, حدثنا أبو اليقظان عمار بن محمد الثوري أو غيره, عن أبي إسحاق الهجري, أبي الأحوص, عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: