ذلك كله فإن الابن البار لم يواجه تلك السيئة إلا بالتي هي أحسن فقال لأبيه: {سَلَامٌ عَلَيْكَ} (1) كحال عباد الرحمن الذين إذا خاطبهم الجاهلون قالوا: {سَلاَمًا} (2) بل وعد بالاستغفار لأبيه، وذلك قبل أن يتبين له أنه عدو لله {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} (3) ثم قرر اعتزاله ليراجع الأب نفسه، ولينأى إبراهيم بنفسه عن الشر ومواطنه، وكانت رحمة الله لإبراهيم أن عوضه بأبناء صالحين بررة.
ثانيا: دعوته لقومه. بعد أن دعا إبراهيم أباه لقربه توجه بالدعوة إلى قومه، وكانوا فيما قبل قسمان، منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الكواكب، وقيل: إنهم كانوا يعبدون الكواكب ويصورون أصنامًا على صورها يعبدونها، وقد أبطَلَ عليه السلام كِلاَ المعبوديَنِ بالأدلة القطعية، وبيَّنَ لهم أنها لا تملك لهم رزقًا، ثم أخبرهم بأنه مُبلَّغٌ لا يستطيع هدايتهم إلا بإذن الله، ولفت أنظارهم إلى أن مصيرهم إن لم يستجيبوا للدعوة مصير أمثالهم فقد سبقهم على ذلك أمم ولحقهم من ربهم من النكال والعذاب ما لا يخفي عليهم، قال تعالى: وإبْرَاهِيمَ إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ
1)سورة مريم الآية 47
2)سورة الشعراء الآية 63
3)سورة التوبة الآية 114
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وإن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ومَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ (1) . ولقد سلك إبراهيم في إقناع قومه مسلك المساءلة عن