وأحي هذا الذي قتلته، فيظهر به بهت اللعين، إلا أن القوم لما كانوا أصحاب ظواهر، وكانوا لا يتأملون في حقائق المعاني خاف إبراهيم الاشتباه والالتباس عليهم، فضم إلى الحُجَّة الأولى حجَّةً ظاهرة، لا يكاد يقع فيها أدنى اشتباه. وهذا الانتقال من أحسن ما يكون، لأن المحاجِجَ إذا تكلم بكلام يشق على سامعيه فهمه، ولجأ الخصم إلى الخداع والتلبيس جاز له أن يتحول إلى كلام يدركه السامعون، وأن يأتي بأوضح مما جاء به، ليثبت ما يريد إثباته، وهذا لأن الحجج مثل الأنوار، وضم حجة إلى حجة كضم سراج إلى سراج، وهذا لا يكون إلا دليلا على ضعف أحدهما ... أو بطلان أثره" (1) . وفي ظل هذا التعنت في قبول الدعوة وعدم الإيمان بما جاءهم به من الحق قرر إبراهيم عليه السلام الهجرة إلى أرض غير أرضه تقبَلُ كلمته وتؤمِنُ بدعوته قال تعالى: {ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً} (2) فهاجر عليه السلام وأخذ ينتقل من مكان إلى مكان آخر يدعو الناس إلى عبادة الله و إلى طريقه المستقيم. و {قد سئل الرسول صلى الله عليه و سلم عن خير البرية فقال: ذاك إبراهيم} (3) و قال تعالى عنه مادحا له و مثنيا عليه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (4) . وقد فضَّل الله إبراهيم عليه السلام في الدنيا و في الآخرة فجعل النبوة فيه و في ذريته إلى يوم القيامة قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (5) . و إبراهيم عليه السلام من أولي العزم من الرسل، ووصى الله نبيه محمد صلى الله عليه و سلم"