إن القرآن الكريم إلى جانب مخاطبته للعقل يخاطب الوجدان كذلك، و لقد كان الأنبياء عليهم السلام يهتمون بالجانب الوجداني في حوارهم مع أقوامهم إذ يعملون على تحريك عواطفهم من خلال إبراز حرصهم على هدايتهم و تقديم النصح لهم و الإشفاق عليه من عذاب الله.
فهذا نوح عليه السلام يخاطب قومه مبرزا حرصه عليهم و خوفه عليهم من أن يطالهم عذاب من الله قائلا لهم: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} (1) .
و هذا مشهد آخر لإبراهيم عليهم السلام تجلت فيه كل مقومات الرفق و الرحمة في مخاطبة الوجدان و القلب و هو يحاور أباه مصدرا حواره لقوله - يا أبت - محاولا هدايته إلى الخير الذي اهتدى هو إليه، و قيادته إلى الطريق الصحيح قال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} (2) ، فإبراهيم عليه السلام وإن كان أصغر من أبيه سِنًّا و أقَلَّ تجربةً منه إلا أن الله قد منَّ عليه بعلمٍ: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} (3) .
و بيَّن له خوفه عليه وحرصه على أن يهتدي و ينجو من براثن الشرك، فقال: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} (4) ، و رغم أن آزر لم يستجب لولده وهدده بالرجم والهجر: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} (5)
1)سورة هود الآية 26
2)سورة مريم الآية 42
3)سورة مريم الآية 43