فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 62

الأوس يجزع لهذا الأمر فقال لابن أخيه أسيد بن حضير، ألا تذهب إلى هذين الرجلين الذين أتيا يسفهان ضعفاءنا فتزجرهما، فلما انتهى إليهما أسيد بن حضير قال لهم: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا؟ ثم هددهما وقال: اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة. فقال مصعب بن عمير - رضي الله عنه - في وقار المؤمن وثبات الواثق بربه: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته وإن كرهته كففنا عنك ما تكره، ثم قرأ مصعب القرآن وأسيد يسمع، فما قام من مجلسه حتى أسلم، ثم كر راجعًا إلى سعد فقال له: والله ما رأيت بالرجلين بأسًا، فغضب سعد وذهب هو بنفسه ثائرًا مهتاجًا، فاستقبله مصعب بما استقبل به أسيدًا وانتهى الأمر بإسلامه أيضًا، ثم كر سعد راجعًا إلى قومه فجمعهم وقال لهم: ما تعدوني فيكم؟ قالوا سيدنا وابن سيدنا. فقال سعد: كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تسلموا. فأسلموا جميعًا [1] .

وهكذا كان تأثير القرآن الكريم في نفوس المخالفين له.

أما تأثيره في نفوس المؤمنين به؛ فقد كان أكبر وأعظم لقد استولى على مشاعرهم وغير ما بهم من مفاسد الجاهلية، فزكى نفوسهم، وسما بأفكارهم، وقد عكفوا عليه يرتلونه، ويتفهمونه، ويتعرفون أحكامه ومراميه، ومما ورد في صفة الصحابة - رضي الله عنهم - أنّ الذي كان يمر ببيوتهم ليلًا يسمع منهما مثل دويّ النحل من تلاوة القرآن، وقد بالغ بعضهم فكان يقوم الليل كله بالقرآن حتى شكاهم نساؤهم فنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.

(1) انظر سير أعلام النبلاء جـ 1، ص: 280، وانظر مناهل العرفان للزرقاني، جـ 2، ص: 304 - 305.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت