فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 188

فبادر داود - عليه السلام - بالحكم له دون أن يسمع حجة الآخر. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول" [1] .

وبعد أن حكم داود هذا الحكم وأيقن داود - عليه السلام - أننا فتنَّاه بهذه الخصومة، فاستغفر ربه، فخر ساجدًا لله عز وجل تائبًا إليه، في قوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [2] فغفر الله عز وجل له ذلك، وجعله الله من المقرَّبين عنده، وأعدّ له حسن المصير في الآخرة، فقال تعالى: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [3] . وهذا الذنب الذي صدر من داود - عليه السلام -، لم يذكره اللّه لعدم ... الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه اللّه علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها [4] . وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} أي: وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله عز وجل بها وحسن مرجع وهو الدرجات العاليات في الجنة لتوبته وعدله التام في ملكه [5] . قال القرطبي في معنى {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} أي سجد ومعنى السجود أن داود سجد خاضعا لربه، معترفا بذنبه. تائبا من خطيئته؛ فإذا سجد أحد فيها فليسجد بهذه النية، فلعل الله أن يغفر له ... ، وسواء قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ فإن هذا أمر مشروع في كل أمة لكل أحد [6] ، والله أعلم.

(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص، باب كتاب الأحكام (4/ 105) رقم الحديث (7025) . ومسند أحمد (2/ 143) ، رقم الحديث (745) .

(2) سورة ص، الآية: 24.

(3) سورة ص، الآية: 25.

(4) تفسير السعدي (1/ 711) .

(5) تفسير ابن كثير (7/ 62) .

(6) تفسير القرطبي (15/ 156 - 157) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت